الكاتب: عبدالحمید جرجیج
التعددیة الدینیة
(الجزء الثاني)
الأصول والمباني للتعددية الدينية
لقد طُرحت التعددية الدينية منذ البداية كنظرية في فهم الواقع والوصول إلى الحقيقة من خلال مناهج علمية وعملية، وفي هذا المسار الفكري، يلعب مبدأ الواقع دوراً محورياً، إذ أن التمييز بين الواقع كما هو، والواقع كما يتم تفسيره في التجربة الإنسانية، هو من القضايا الأساسية التي حظيت باهتمام المفكرين الدينيين.
وتسعى هذه النظرية إلى إبراز هذا التمييز وشرحه عقليا بالاعتماد على المبادئ الفلسفية، فالحقيقة والواقع المطلق واللامتناهي لا يمكن أن يكونا محاطين بالكامل ضمن نطاق المعرفة والتجربة الإنسانية. هذه الحقيقة هي واحدة، مستقلة، وتتصف بجميع صفات الكمال بشكل غير محدود، وقد استخدمت ثقافات ولغات متعددة أسماء ومفاهيم مختلفة للتعبير عن هذه الحقيقة؛ ففي الغرب تُسمى «الواقع النهائي»، وفي اللغة العربية تُعرف بـ«الحق»، وفي اللغة السنسكريتية تُدعى «سات»، وهذه المصطلحات جميعها تشير إلى حقيقة تتجاوز الإدراك والمعرفة البشرية.
وفي المقابل، فإنّ البشر يدركون الحقيقة والواقع من خلال تجاربهم الدينية، وقد عبّروا عنها بصور ومفاهيم وأسماء مختلفة، وهذه الحقيقة المدركة محدودة وتقع ضمن نطاق الفهم والإدراك العقلي والذهني للإنسان، وهي الحقيقة التي يُطلق عليها أسماء مثل الله، والرب، والخالق، وغيرها، وتظهر في تجاربنا وحالاتنا الدينية، وهذه الحقيقة المحدودة محصورة في إطار الفكر والتجربة الإنسانية، وهي التي تجلّت عبر الأديان المتعددة وعبر التاريخ الطويل للبشرية، بأشكال ولغات متنوعة، حيث كان لكل تابع دين تصوره وفهمه الخاص لها.
ويسعى أصحاب الفكر التعددي إلى تفسير هذه الثنائية أو الازدواج في الحقيقة والواقع من خلال الاستناد إلى مبدأ معرفي طرحه كانط. وبحسب هذا المبدأ، فإن المعرفة التي يمتلكها الإنسان عن محيطه والأشياء والكائنات خارج وجوده، هي مزيج من المدركات التي يكتسبها من الخارج والتفاعلات والتفسيرات التي تتم داخل ذهنه. فكل معرفة وتجربة نمتلكها عن العالم الخارجي والحقائق المتجاوزة لذواتنا تقع ضمن هذا الإطار الذهني، ونختبرها دائماً كما تتجلى لنا (وليس كما هي عليه في ذاتها). وبناءً على هذا المبدأ، يُرسم للواقع وجهان: أحدهما هو الواقع في ذاته، كما هو، وهو خارج نطاق إدراكنا ولا سبيل للوصول إليه، والآخر هو الواقع كما يتجلى لنا ويقع في إطار مشاهدتنا وإدراكنا.
يسعى دعاة فرضيّة التعدديّة الدينيّة إلى إثبات فكرة مفادها أنّ جميع الأديان تسعى نحو حقيقة واحدة، وأنّ كلاً منها بلغ تلك الحقيقة بحسب قابليته وضمن أُطره ومقاييسه الخاصّة. فالحقيقة المطلقة والواقع المطلق يكمنان وراء جميع الأديان، ولا يستطيع أحد إدراكهما أو الوصول إليهما بالكامل، ولن يتمكّن من ذلك في المستقبل أيضاً. وأمّا ما يُعرف بالحقيقة الإلهيّة ضمن كلّ دين، فهو الجزء الذي تمّ التوصّل إليه من تلك الحقيقة في إطار ذلك الدين، والذي أصبح مع مرور الزمن جزءاً لا يتجزأ من بنيته العقديّة والروحيّة.
تعريف التعدديّة الدينيّة
لا يوجد تعريف كامل يُجمع عليه بحيث يحدّد الخصائص المتفق عليها للتعدديّة الدينيّة، ولكن يمكن التمييز بين عدّة استخدامات لهذا المصطلح:
التطبيق الأول
التعدديّة الدينيّة بمعنى التسامح والتعايش السلمي لتفادي الحروب والنزاعات، يعني بعبارة أخرى، تُقبل الكثرة كحقائق اجتماعيّة واقعيّة، ومصلحة المجتمع تقتضي أن لا يتصارع أفراده بل أن يتعايشوا معاً، لا أن يندمجوا في بعضهم البعض. ففي مجال الأديان والمذاهب أيضاً، يمكن لمذهبين رغم اختلاف توجهاتهما الخاصّة أن يحترم كلٌّ منهما الآخر، وألّا يتصادما عمليّاً، فمع أنّ كلّ طرف يرى رأيه صائباً وآراء الآخرين خاطئة، إلّا أنّهم يعيشون معاً بروح من الأخوّة والتسامح.
يرى بعضُهم أن التسامح (Tolerance) يختلف عن التعدديّة، ويقولون إنّ في التسامح يحترم الإنسان حرية وحقوق الآخرين، وإن كان يعتقد أنّ الحقيقة كلّها عنده، وهذا التعريف للتعدديّة له ثلاثة تفسيرات:
أوّلًا: يجب على المتدينين، بأسلوب عقلي ومنطقي وقابل للعقل، أن يدرسوا أصول الأديان كلّها، وأن يُصغوا إلى سائر الأديان وفق ضوابط المعرفة والمنطق، للوصول إلى الدين الأصوب.
ثانيًا: تفسير التعدديّة على أنّها تبادل للحوار بين الأديان من منظور نفسي، أي أنّ أتباع الأديان والمذاهب المختلفة يجلسون للحوار بروح من التعاطف وسعة الصدر، ومن أجل التقارب القلبي والباطني، وينظّمون حلقات للتسامح بهدف إزالة التوترات الاجتماعيّة، وإن لم يتوصّلوا إلى نتائج معرفيّة موحّدة.
ثالثًا: أن يكون الحوار بين الأديان مبنيًّا على الشكّ في المعتقدات الدينيّة الشخصيّة.
التطبيق الثاني:
أن دينًا واحدًا قد جاء من عند الله، لكنه اتخذ وجوهًا متعددة كالمسيحية واليهودية والإسلام، وهذا يدلّ على أن جميع الأديان هي تجليات لحقيقة واحدة، فالاختلاف ليس في جوهر الأديان، بل في تفسيرنا وفهمنا للدين، فبعضهم فهمه بطريقة فأصبح يهوديًا، وآخرون بطريقة أخرى فأصبحوا مسيحيين أو مسلمين. ولا ينبغي التصريح بصحة مذهب أو دين واحد وبطلان الآخر، لأنّ كلّ فرد يدرك الحقيقة بحسب ذهنيته وظروفه. وما في أيدينا هو تنوع الفهوم، ولا يمكننا الجزم بأن أحدها أصحّ من الآخر. لكن يمكن، استنادًا إلى الأدلة والقرائن، تفضيل فهمٍ على آخر.
وهذا التفسير يشبه إلى حدٍّ ما أفكار فلاسفة اليونان القدماء الذين كانوا يرون أنّ كلّ نتيجة ما هي إلاّ ثمرة فهم شخصي، ولا يمكن اعتبارها حقيقة مطلقة، وفي نقد هذا الرأي يمكن القول: إذا قبلنا جميع الفهوم المختلفة دون يقين، فإنّ الفهم التعددي (البلورالي) نفسه لا يمكن اعتباره صحيحًا على وجه اليقين، بل هو مجرّد تفسير من بين تفاسير كثيرة للدين. وإذا كانت جميع الفرق الدينية تقدّم أدلة تؤيد وجهات نظرها، ولم يكن التعدد الديني مستثنىً من ذلك، فكيف يمكن اعتباره حلاً لمشاكل الحوار بين الأديان، بينما قد يكون في ذاته سببًا للاختلاف والتوتر؟
وعندما تسعى كلّ فرقة، سواء كانت إسلامية أو مسيحية، إلى إثبات معتقداتها ونقد معتقدات الآخرين، فإنّ التعدديّة قد تؤدّي إلى توتير الأجواء وزيادة عدد الخصوم، وإذا لم تنجح في جذب المخالفين، فقد تفضي إلى تصعيد النزاع والعداوات. ومن نتائجها: التكفير، والعداوة، وزيادة الفرقة بين الناس.
التطبيق الثالث:
