الكاتب: عبدالحمید جرجیج

التعددیة الدینیة
(الجزء الأول)

الملخص
إن التعدديّة (البلورالیزم) كان موضع اهتمام الباحثين والعلماء منذ العصور القديمة، ويُنسب نشوء ونموّ فكرة التعدديّة إلى الكنائس المسيحية، ويُقال: إن أول من استخدم هذا المصطلح هو العالِم الطبيعي «هيرمان توتسه» في عام ۱۸۴۱م في كتابه المعنون بـ«ما بعد الطبيعة». وكان في الكنيسة، يُطلق على الشخص الذي يتولى عدة مناصب ووظائف اسم «التعددي» (پلوراليست).
ووفقًا للتعدديّة الدينية، فإن جميع الأديان السماوية والوضعية يمكن أن تكون صادقة ومخلّصة في آنٍ واحد. وقد قدم «جون هيك» هذا الرأي في مواجهة النزعة الحصرية والشمولية في العالم المسيحي، غير أن نظرية التعدديّة لا تتوافق مع الأُسس الكلامية في الإسلام. فبرأي أتباع الإسلام، لا تتساوى الأديان في درجة الحقّ، فقد يُنظر إلى بعضها بأنها أقرب أو أبعد عن الحق، أو قد تُعدّ بعضها باطلة وبعضها غير كافية أو ناقصة، ومهما يكن، فالإسلام مثل الشمس، بينما الأديان السماوية الأخرى مثل النجوم التي لا تهدي السبيل إلا في غياب الشمس، وحقّانية الإسلام تتفوّق على جميع الأديان غير المحرّفة، والإسلام هو الدين الحقّ الوحيد.
المقدمة
إن التعدديّة الدينية هي نظرية طرحها بعض المفكرين والمتكلمين الغربيين استجابةً للتحديات العقائدية والاجتماعية، ويقوم هذا الرأي على الاعتقاد بأن وجود التنوع في العناصر والعوامل الاجتماعية مشروع ويجب قبوله. تؤمن التعدديّة الدينية بأن «الحقيقة»، و«النجاة »، و«الخلاص» ليست مقتصرًا على دين أو ثقافة معيّنة، بل إن هذه المفاهيم مشتركة بين جميع الأديان والمذاهب. وتؤكد هذه النظرية على أنه لا يوجد دين متفوق على غيره، وأن أتباع أي دين يمكن أن يكونوا على الطريق الصحيح ويتمتعوا بالنجاة والخلاص.
وقد نشأ مفهوم التعدديّة من الثقافة الغربية، واستُخدم في البداية في النصوص الكنسية، حيث كان يُطلق على من يشغل عدة مناصب كنسية. أما في العصر الحاضر، فالتعدديّة تُستخدم في المجالات الثقافية والدينية بمعنى قبول تنوع الآراء والمناهج.
وهذا النص يُمثل خلاصة لأفكار وطريقة تفكير مجموعة من الأشخاص الذين واجهوا الدين بمنظور مختلف، ورفضوا الالتزام الحصري بدين معين، فهؤلاء الأشخاص، الذين ربما عصوا عبادة الله الواحد، تحدّوا الإسلام عبر التاريخ تحت مسميات وأقنعة مختلفة. ومما يؤسف له أن بعضًا من هؤلاء تمكنوا من جذب أفراد من داخل الأمة الإسلامية ممن لا يلتزمون برؤية الله تعالى لما ارتضاه لعباده.
ومن القوانين السائدة في المجتمعات البشرية عبر العصور، أن كل أمة أو قوم امتلكوا في وقتٍ ما أدوات القوة والسلطة والإعلام، كانوا قادرين بسهولة، ومن دون كلفة تُذكر، على فرض أفكارهم ومعتقداتهم على باقي الأقوام والشعوب التي خضعت لسلطتهم ونفوذهم الثقافي، سواء كانت هذه الأفكار والمعتقدات قائمة على أسس علمية ومنطقية أم لا،وفي زماننا المعاصر، يتكرر هذا المشهد في تأثير الثقافة والرؤية الكونية الغربية على كثير من أبناء أمة الإسلام. ومن أبرز هذه المدارس الفكرية الغربية المنتشرة، مدرسة تُعرف بـ «التعددية» (البلورالیزم)، والتي وجد لها أنصارًا بين المسلمين ممن تلقّوا مبادئها من الغرب، ثم أصبحوا دعاةً لها في المجتمعات الإسلامية من خلال تأليف الكتب ونشر المقالات والرسائل، مما أدى في بعض الأحيان إلى إثارة الشبهات وانحراف أفكار بعض شباب الأمة.
معنى التعددية (البلورالية)
التعددية، التي تُشتق من الأصل اللغوي «Plural» بمعنى الكثرة أو التعدد، تُستخدم في الثقافة الإنجليزية بمعنى الجمعيّة وتعدد الاتجاهات. ويُطلق هذا المصطلح على الحكومات الائتلافية التي تتكوّن من عدة أحزاب، أحياناً متعارضة، وكذلك على الأشخاص الذين لهم أكثر من زوجة، أو على المشركين وأتباع الديانات التي تؤمن بتعدد الآلهة، لأن كل هذه الحالات تتسم بصفة التعدد والكثرة.
وفي الثقافة الغربية، كان يُطلق مصطلح «تعددي» (Pluralist) في البداية على أولئك الذين يتولون عدة مناصب دينية في الكنيسة الكاثوليكية ويكسبون من ورائها دخولاً كثيرة. ومع مرور الزمن، اتسع مفهوم التعددية ليشمل من كانت لهم مصادر متعددة للدخل، سواء من الكنيسة أو من مناصب كنسية، أو من خارجها. ثم بدأ يُستخدم هذا المصطلح تدريجياً في كل مجال فيه تنوع أو تعدد، ووجد له استخدامات خاصة في المجالات الدينية، والثقافية، والسياسية.
وأما في الثقافات السياسية، تشير التعددية إلى الفلسفة السياسية التي ترى أن اهتمام الفرد لا ينبغي أن يقتصر فقط على انتمائه السياسي إلى الدولة، بل يجب أن يشمل اهتمامات أخرى مثل الاقتصادية والدينية وغيرها، ويجب أن تُؤخذ هذه الاهتمامات بعين الاعتبار عند تحديد السياسات والتوجهات المجتمعية. كما تؤمن التعددية بوجود الأحزاب والجماعات والجمعيات وتعدد الأذواق والآراء داخل المجتمع، وتؤكد على تنمية وتشجيع هذا التنوع، وتحث الدولة على إشراك هذه المجموعات في الحكم وإدارة شؤون المجتمع.
وتقف هذه النظرية في مقابل «الوحدوية» (المونيزم)، وهي النظرية التي تفترض أن حق السيادة والإرادة العليا محصور فقط في الدولة، وأن جميع المؤسسات والأفراد يجب أن يخضعوا للدولة السياسية. وفي المقابل، ترى التعددية أن السلطة يجب أن تتوزع بين مختلف الجماعات مثل الجماعات الدينية والاجتماعية والاقتصادية، وألا تكون حكراً على الدولة وحدها.
التاريخ
كان أول من أدخل هذا المصطلح في الفلسفة هو الفيلسوف والمنطقي الألماني «لوتسه» (Lotze) في عام ۱۸۴۱ ميلادي، وذلك في كتابه «الميتافيزيقا»
ومن القضايا الجادة في النصف الثاني من القرن العشرين في مجال فلسفة الدين، مسألة التعددية الدينية أو تنوع الأديان، والتي طُرحت بشكل مستقل في العالم المسيحي من قبل «جون هيك» (المولود عام ۱۹۲۲).
تاريخ نشأة التعددية الدينية
إن تعدد وتنوع الأديان ليس ظاهرة تنتمي فقط إلى العصر الحاضر. وكما يشير «غلين ريتشاردز» في كتابه «نحو لاهوت يراعي جميع الأديان»، فإن التجارب الدينية المتنوعة التي نشهدها اليوم لم تشهد زيادة كبيرة مقارنة بالماضي، فهذه التجارب كانت موجودة دائمًا، ولكن ما تغيّر في القرن الأخير هو زيادة الوعي تجاه التعددية الدينية.
يشدّد جون هيك أيضًا على أن وجود أديان مختلفة ليس ظاهرة جديدة، وأن الأديان الكبرى على مرّ التاريخ، وخصوصًا من خلال الحركات الكبرى، كانت على تماس بعضها ببعض. ومع ذلك، فإن هذه التماسات بين المسيحية والإسلام كانت في الغالب مبنية على التعارض أكثر من كونها حوارًا أو تعارفًا عميقًا وتفاهمًا.
أما التعددية في شكلها الحالي، التي تعتبر الأديان المختلفة مسارات محتملة للخلاص أو النجاة أو كمال النفس لأتباعها، فهي ظاهرة تنتمي إلى العصر الحديث، وقد نشأت نظرية التعددية في القرن العشرين، حيث طُرحت لأول مرة من قِبل ولفريد كانتويل، أستاذ كلية اللاهوت في جامعة هارفارد، ثم طُوّرت لاحقًا على يد تلامذته، وخاصة جون هيك في كتابه «فلسفة الدين». لقد تبلورت التعددية الدينية بصورتها الحالية كوجهة نظر في اللاهوت المسيحي، وانتشرت في العالم المسيحي من خلال أبحاث جون هيك في هذا المجال.
يمكن تتبّع الجذور الفلسفية للتعددية الدينية في التاريخ القديم للفلسفة والدين، وتظهر بعض عناصر هذا الاتجاه الفكري في ديانات مختلفة، غالبًا على يد أشخاص كانوا يعارضون أو يحتجّون على المناهج السائدة. ومع ذلك، فإن تشكّل التعددية كمذهب أو فرضية فكرية يعود إلى قرنين من الزمن فقط.
ويرى بعض الكُتّاب المعاصرين أن العوامل الاقتصادية والسياسية في القرون الأخيرة كان لها دور مهم في نشوء وتطوّر الأفكار التعددية، فقبل القرن التاسع عشر، كان الاتصال والتفاهم بين الأديان الكبرى في العالم نادرًا، ولكن منذ القرن التاسع عشر، وخصوصًا في القرن العشرين، ومع توسّع الاتصالات في مختلف المجالات، بدأت تتشكّل توجهات أكاديمية نحو مزيد من الفهم والمعرفة بالأديان المختلفة.
ومنذ خمسينيات القرن العشرين، حظيت فكرة ضرورة إيجاد تفاهم متبادل بين الأديان الكبرى، لا سيما الإسلام والمسيحية واليهودية، باهتمام كبير، وقد مهّد هذا الفكر الطريق لحركات وتحوّلات حدثت في أنحاء مختلفة من العالم، وخصوصًا في الأوساط الأكاديمية، حيث أُقيمت الندوات والمؤتمرات والاجتماعات حول هذا الموضوع. وغالبًا ما كانت هذه التحوّلات ضمن نطاق معرفي ووصفي، وأحيانًا تحت عنوان المناظرة أو الحوار.
يتبع…

الجزء التالي

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version