الكاتب: سید مصلح الدین
الدبلوماسية في الإسلام
(الجزء الثاني)
سفارات الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم
لا شك أنّ الدبلوماسية في المرحلة الأولى من الإسلام لم تشهد نمواً وازدهاراً كبيراً، إذ كان ذلك زمن الفتوحات وتأسيس الدولة الإسلامية، فلم تكن هناك فرصة كافية لإقامة علاقات سياسية منتظمة بين الإسلام والمسيحية، إلا في بعض المعاهدات والاتفاقيات التي كانت تُبرم بعد فتح بعض المناطق، كما حدث في عهد خلافة عمر الفاروق في الشام ومصر. وقد كانت هذه الاتصالات الناشئة بين الإسلام والمسيحية محدودة الزمن ومختصرة في تفاصيلها. وأبرز الأحداث الدبلوماسية في تلك المرحلة تمثّلت في رسائل الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم إلى ملوك وأمراء ذلك الزمان، يدعوهم فيها إلى الإسلام وقبول رسالته.
إن هذه المهام الدبلوماسية المستقلة قد سُجلت في التاريخ كرمز للشجاعة وقوة إيمان الرسول برسالته، ففي ذلك الزمان، لم يكن الإسلام قوّة يُنتظر منها أن تدعو شخصيات بارزة كقيصر وكسرى إلى قبول دعوتها.
ولكن محمداً صلى الله عليه وسلم قد بُعث رسولاً إلى البشرية جمعاء، ليبشرهم بوعود الله ويحذرهم من معصيته. وكما كانت غزواته الدفاعية وسيلة لحماية الإسلام وتأكيد حقيقته، كانت سفاراته وسيلة لأداء رسالته وبلاغ دعوته إلى الملوك والأمراء الذين كانوا يحكمون العالم القديم في تلك الأونة.
لقد أرسل الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم في شهر ذي الحجة من السنة السادسة للهجرة (أبريل ۶۲۸ ميلادي)، رسله وكتبه إلى ثمانية من الحكام، وهم: «قيصر الروم» في القسطنطينية، و«المقوقس» حاكم مصر الرومي، و«الحارث بن أبي شمر الغساني» و حاكم الشام من قِبَل قيصر، «خسرو برويز» ملك فارس، و«النجاشي» ملك الحبشة، وثلاثة من حكام العرب المحليين في جزيرة العرب، وهم: حاكم اليمامة، وحاكم البحرين، وحاكم عمان. وكان هؤلاء الملوك، من العرب وغيرهم، إما يحكمون جزيرة العرب أو كانت لهم علاقات جيدة معها. ولا شك أن أعظمهم وأهمهم كانا قيصر الروم وملك فارس، اللذان كانا قد اقتسما العالم القديم في ذلك الزمان.
كان قيصر قد وسّع سلطانه على بلاد الشام ومناطقها الجنوبية حتى شمال الحجاز، وكان كسرى ملك فارس يسيطر على شمال شرق جزيرة العرب، ويتبعه كثير من حكام العرب. وكان قيصر يُعد زعيم الأمم النصرانية، وكسرى يُعد زعيم الأقوام المشركة.
وقد نُظّمت هذه السفارات بعناية، وأُرسلت بطرق مختلفة، حيث أُوفِدت بعثة أو وُجه سفير خاص إلى كل ملك، وكان مع كل بعثة كتاب من الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، وكانت مهمة وبرنامج جميع السفراء واحدة، وقد نقلت كتب التاريخ الإسلامي رسائل الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بدقة، وهي متفقة من حيث المضمون والأسلوب، وكان الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم يدعو ملوك زمانه في هذه الرسائل إلى قبول رسالته.
وكان السفير الذي بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى هرقل، إمبراطور الروم الشرقي، هو دحية بن خليفة الكلبي. أما الرسالة التي كتبها الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم إلى قيصر، فقد وردت في المصادر الإسلامية المعتبرة كصحيح البخاري ومسلم، ونصها كما يلي:«من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم، سلامٌ على من اتبع الهدى. أما بعد، فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين. يا أهل الكتاب! تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم: ألا نعبد إلا الله، ولا نشرك به شيئًا، ولا يتخذ بعضنا بعضًا أربابًا من دون الله، فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون.»
تولى هرقل الحكم وهو في الثامنة عشرة من عمره، فجلس على عرش الإمبراطورية الرومية. وقد قضى معظم هذه الفترة في حروب شاقة مع الفرس، وبعد جهود متواصلة تمكّن من دحرهم من الأراضي الخاضعة للإمبراطورية البيزنطية، حتى ألحق بهم هزيمةً كاملة في سنة ۶۲۷ ميلادية.
وفي خريف العام التالي، توجّه هرقل لزيارة بيت المقدس، وهناك وصل وفد حاكم بُصرى، وكان دحية الكلبي من بينهم، فالتقى بالإمبراطور وقدّم إليه رسالة الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، وبلّغه مضمون مهمته.
ووفقاً للتواريخ الإسلامية، استقبل هرقل سفير الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم باحترام بالغ، وطرح عليه أسئلة حول حال الرسول ورسالتہ. يمكننا أن نتخيل تأثير سفارة الرسول صلى الله عليه وسلم على القيصر، وكيف أثارت فيه مشاعر من الإنكار والدهشة، رغم أنه ودع سفير الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بمجاملات وحديث ودي.
عندما عاد هرقل إلى عاصمته، وصلته رسالة أخرى من الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، استلمها منذر بن حارث الغساني حاكم الشام من يد السفير، وأرسلها إلى القيصر. في هذه الرسالة دعا الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم القيصر إلى الإسلام، وحذره من عواقب معارضة ذلك، وأرسل منذر الرسالة إلى هرقل وطلب منه الاستعداد للحرب ضد الرسول، لكنه لم يوافق على رأيه، وأعاد سفير الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم كما فعل مع دحية الكلبي بنفس الموقف الغامض.
في ذلك الوقت، انطلق سفير آخر من جانب الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، وهو حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه، حاملًا رسالة منه إلى مقوقس، حاكم مصر، وسلمها إليه، وكانت مضمون هذه الرسالة كما يلي: «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى مقوقس، حاكم القبط». وكانت الرسالة تحتوي على محتوى مشابه للرسالة المرسلة إلى هرقل مع بعض التعديلات حسب بعض الروايات. ففي هذه الرسالة، دعا الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم مقوقس، كما دعا هرقل، إلى قبول الإسلام.
وفي هذه المرحلة، من المناسب التعرف على شخصية «مقوقس» الذي تعرفه التواريخ الإسلامية بوصفه «حاكم القبط»، وكانت مصر في تلك الفترة ولاية تحت حكم الروم تابعة لقيصر القسطنطينية، ولم يكن لها استقلال، وهذه الحقيقة لم تخلُ من التوثيق في التاريخ، إذ تبين الرسائل والمكاتبات للرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم أنه هو وأصحابه كانوا على علم بالأحداث والظروف السياسية التي تحكم الجزيرة العربية والبلدان المجاورة.
كان حاكم مصر الرومي في ذلك الوقت يُدعى كيروس، وكان حاكمًا لمصر وكذلك بطريركها الأعلى. وبحسب الأبحاث الحديثة الموثوقة، فإن أقوى النظريات تشير إلى أن «مقوقس» في التواريخ الإسلامية هو نفسه كيروس، حاكم مصر الرومي، والدليل الذي يؤكد ذلك هو أن سفير الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم توجه إلى الإسكندرية، التي كانت مقر الحاكم الرومي آنذاك، لأداء مهمته.
وسافر حاطب بن أبي بلتعة الخُشمي رضي الله عنه من الشرق إلى غرب مصر، ووصل إلى الإسكندرية ليبلّغ رسالة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ورسالة دعوته. استقبل كيروس، المعروف بلقب «الدريّا» في قصره، سفيره صلى الله عليه وسلم باحترام وبهيبة، ثم تسلّم الرسالة وتحدث مع السفير حول محتواها، وطرح أسئلة عن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وموضوع دعوته. وبعد ذلك، عاد حاطب إلى الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم حاملاً رسالة من كيروس وهدايا مذكورة في الرسالة.
وقد وردت هذه الرسالة في رواية ابن عبد الحكم، المؤرخ المصري القديم في العصر الإسلامي، نصها كما يلي: «من مقوقس، حاكم القبط، إلى محمد بن عبد الله، السلام. قرأت رسالتك وفهمت ما كتبت والدعوة التي وجهتها. كنت أعلم بوجود نبي سيظهر، وكنت أظن أنه سيخرج من الشام. أكرمت رسولك، وأرسلت لك ابنتين لهما مكانة عالية بين المصريين مع بعض الثياب، وكذلك أرسلت جملًا كهدية لتركب عليه. والسلام«
وكانت الفتاتان «مارية» وأختها «شيرين»، وقد أحضرتا إلى الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، فتزوج مارية لنفسه، وأنجب منها ولدًا اسمه إبراهيم، توفي وهو صغير، وأهدا شيرين إلى أحد صحابته المقربين.
وهكذا كانت نتائج السفارات والرسائل التي أرسلها الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم إلى القيصر وحاكمه في مصر والشام. قلا شك أن هذه الرسائل تركت أثرًا روحيًا عميقًا في بلاط الروم والكنيسة.
يتبع…
