الكاتب: عبیدالله النیمروزي

سيرة مولانا جلال الدین البلخي الرومي رحمه الله

(الجزء الأول)

الكلمات الرئيسية: جلال الدین، الرومي، المثنوي، شمس و تبریزي.
الخلاصة
كان مولانا جلال‌الدین محمد البلخي الرومي، من كبار العلماء ومن رواد ميدان التصوف والتزكية والإصلاح، والذي كثيرا ما عُرف، بأثره «المثنوي المعنوي». كان أصله من أفغانستان، حيث ولد في بلخ (ولاية بلخ الحالية)، لكنه عندما هاجر إلى الروم الشرقي (القونية) اشتهر بمولانا الرومي.
المقدمة
لا شك أن رجال هذه الأمة وشيوخها، دليل واضح على كمال دين الإسلام، وبرهان قاطع على ختم نبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم؛ إذ بالرغم من مرور عقود عديدة على وفاة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، لا تزال الأمة الإسلامية ثابتة، والدين الحنيف الإسلامي حاكمًا في العالم، وقادرًا على تلبية جميع حاجات البشر إلى يوم القيامة.
ثم لا شك أن هذه البركات والفيوض إنما هي ببركة المتخرّجين من المدرسة المحمدية صلى الله عليه وسلم، لأن الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم قال في حديث شريف: «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مئة سنة من يجدد لها دينها ويزيل عنها البدع والخرافات».
۴۲۹۳ – حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْمَهْرِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ، عَنْ شَرَاحِيلَ بْنِ يَزِيدَ الْمَعَافِرِييِّ، عَنْ أَبِي عَلْقَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، فِيمَا أَعْلَمُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا‏».
فهذه السلسلة المباركة ستستمر حتى قيام الساعة، وقد شهدت الأمة الإسلامية مجددين مختلفين، سواء في العلوم الظاهرية أو في العلوم العرفانية والباطنية.
وقد جاء عبر التاريخ العديد من الرجال والعظماء، جددوا شعبًا مختلفة من الدين، وكان من أبرزهم في هذا المجال الشيخ مولانا جلال‌الدین محمد البلخي الرومي.
نعم، لا شكّ أنّه قد عاش في هذه الكرة الأرضية، وفي هذا الكوكب السماوي الذي تسكنه البشرية والكائنات الحيّة، شخصياتٌ نخبة، وعلماء، ومفكّرون بارزون، وشعراء عظام، أفاضوا على المجتمع البشري من نور أفكارهم، فعمّت بركاتهم ونفعهم. ومن بين هؤلاء المفكرين العظام والشعراء الفريدين، مولانا جلال الدين محمد البلخي الرومي، الذي وُلِد في بلخ، مهد ميلاد العديد من النخب، في أسرة علمية وعرفانية.
هذا وإن كان التعليق وخصوصًا الكتابة عن شخصيّات بشريّة عظيمة كهذه تقتضي قدرات علميّة عالية، وكفاءات متميّزة، وذكاءً، وبحثًا واسعًا، وآسف أنني لا أملكها ولا أستطيع الوصول إليها، إلا أن شغفي وشوقي الكثير تجاه هذه الشخصيّة الجليلة، والمفكر العظيم في الشرق، دفعني لأن أستجمع شجاعتي، وأقدم على بعض المواد مستعينًا بالمصادر المكتبيّة والمراجع المتاحة، وأُقدّمها إلى محبّي مولانا الكرام.
بیان معرفت خیزد ز هر گفتار مولانا به دل‌ها می‌رسد رفعت ز هر پندار مولانا
يَنبَعُ العِرفانُ من كلّ كلامٍ لِمولانا، ويصلُ إلى القلوبِ السّموُ من كلّ فِكرٍ لِمولانا.
دلا گر عارفی خواهی بیا باری تماشا کن سماع و صیغه و شوریده‌حالی کار مولانا
يا فؤادي، إن كنتَ طالبًا للعرفان فهلمّ، وانظر وتأمّل، في السماع، والصيغة، وحالة الوجد لمولانا.
مسافرة مولانا الرومي مع سلطان العلماء
سافر مولانا الرومي في طفولته مع والده الجليل وأسرته، بسبب بعض العوامل من موطنه الأصلي، ومرّ بعدّة بلدان حتى استقرّ في النهاية بمدينة «قونية»، وهي من مدن تركيا الحالية. وكان والد مولانا، محمد بن حسين الخطيبي، الملقب بـ«بهاء الدين» أو «سلطان العلماء»، من العلماء والخطباء المشهورين في بلخ، وكان أجداده جميعًا من أهل خراسان القديمة.
المثنوي؛ مصدر فخر لأهل المشرق
لقد أسرت آثار مولانا القيّمة، وخاصة «المثنوي المعنوي» و«ديوان شمس»، عقول الجماهير وأدهشت عشّاقه، مما جعله مصدر فخر لأهل المشرق، بل ومبعث اعتزاز للعالم بأسره.
المثنوي: منوّر القلوب البشرية
إن تعاليم مولانا في جميع أنحاء العالم، فيما يتعلق بالسعي للمعرفة والبحث عن الحقيقة، وقصائده وروائعه الصوفية، كانت رائدة على الجميع، حتى أن البعض أطلق على عمله الشهير «المثنوي المعنوي» اسم «مصيقل الأرواح».
خصائص ما يحتوي المثنوي
إن المثنوي المعنوي، الذي تم تدوينه في ستة دفاتر، هو مجموعة من الأفكار الصوفية، والأخلاقية، والدينية وتفسير لبعض آيات القرآن الكريم والأحاديث النبوية. عاش مولانا حتى سن الثامنة والثلاثين، حياته وفقًا لرغبة والده، ومتطلبات المجتمع، وتمنيات مريديه وأستاذه الجليل، السيد برهان الدين محقق الترمذي، في تحصيل العلوم الصوفية الإسلامية، والتدريس، والوعظ. كان أتباعه يصحبونه من مدرسة إلى أخرى، ومن منبر إلى منبر، للاستفادة القصوى من مواعظه وكلماته الثمينة، وكانوا يستقبلونها بحفاوة بالغة.
لقاء مولانا بشمس التبريزي
لكن مولانا بعد لقائه بشمس التبريزي رحمه الله، غرق في حلم السعي وراء الحقيقة، وشغف العشق والجذب، وكان يتمنى أن يخرجه أحد من عالم الزمان الضيّق واليابس، ويقوده إلى عالم العشق الإلهي المتّقد، وقد تحقق هذا الأمل والرغبة القلبية له بلقائه بشمس التبريزي. والحقيقة أنّ حضور شمس ولقاءه بمولانا يُعدّ نقطة تحوّل مهمّة في حياة وسلوك مولانا، لكن أسلوب الصحبة وتأثير شمس التبريزي على مولانا لا يزال يكتنفه الغموض.
إن لقاء شمس الغريب والعجيب والمثير، دفع بمولانا إلى طريق آخر، وأثار في روحه ونفسه عاصفة، وأوقد فيه طريق الاتصال بالوجود المطلق، حتى إنّ مولانا بعد لقائه ومصاحبته لشمس، أصبح كليًا في حال من الوجد والانجذاب، فترك التدريس والوعظ والجدال المدرسي، واتجه إلى نظم الشعر، فكانت أشعاره تصقل أرواح العاشقين وتزكّي نفوسهم.
وكان شمس التبريزي، الذي أثار في مولانا هذا الشوق والهيجان، نفسه عارفًا مغمورًا لا اسم له ولا شهرة، لم يعرف السكون في مكان، بل كان يتنقل من مدينة إلى أخرى، وكان يبحث هو الآخر عن شرارة تُشعل قلبه.
على الرغم من أن شمس لم يقضِ مع مولانا مدة طويلة ولم تكن بينهما علاقة امتدت لسنوات عديدة، إلا أنه في هذه الفترة القصيرة جعله عارفًا وعاشقًا لا مثيل له في طلب المعرفة والحقيقة، بحيث لا يُوجد له نظير.
يتبع ….

الجزء التالي

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version