الكاتب: أبو رائف

الاستعمار الجزء الثالث

 

الاستعمار المعاصر وأساليبه

مرَّ الاستعمار عبر التاريخ بعدد من المراحل المختلفة، ومن بين هذه المراحل المهمة، كانت مرحلة الاستعمار القديم، التي تمّت دراستها سابقاً، وفي هذا المقال، نريد دراسة شكل جديد وحديث من الاستعمار، الذي يسيطر على العالم اليوم.
هذا النوع من الاستعمار، الذي يُعرف بـ”الاستعمار الجديد” أو “الاستعمار غير المباشر”، يختلف تماماً عن أنواع الاستعمار السابقة. ففي الاستعمار الجديد، لا يهاجم الاستعمار المباشر الدولة المستعمَرة بشكل مادي ولا يقوم بتعيين حكام لها، بل يسيطر عليها بشكل غير مباشر ومن خلال تغيير الأفكار والمعتقدات، الثقافة، الرؤى السياسية، وأساليب الحكم.
للأسف، هذا النوع من الاستعمار قد فرض سيطرته اليوم على العالم الإسلامي، حيث أصبحت العديد من الدول الإسلامية مستعمرات فكرية، ثقافية، سياسية، اقتصادية وتجارية للدول الأوروبية وغير الإسلامية.
إن الاستعمار الجديد يعتمد على وسائل الإعلام، والتعليم، والتكنولوجيا، والسياسات الاقتصادية العالمية من أجل التأثير على هوية وثقافة الشعوب الإسلامية بشكل منهجي، ويعمل على توجيههم نحو الأنماط الفكرية والثقافية الغربية.
الاستعمار الجديد وتأثيره على العالم الإسلامي
يمارس الاستعمار الجديد تأثيره بطريقتين رئيسيتين:
۱. إرسال أشخاص متعلّمين تمّ تأهيلهم في الدول الاستعمارية، وتشكّلت عقولهم وتوجّهاتهم الفكرية والعقدية على النمط الغربي الاستعماري. من أبرز الأمثلة على هؤلاء: جمال عبد الناصر وطه حسين في مصر، ضياء كوك ألب وكمال أتاتورك في تركيا، أسرة بهلوي في إيران، وأمان الله خان في أفغانستان.
كان هؤلاء الأشخاص يسعون، من دون أدنى اعتبار للثقافة الإسلامية في أوطانهم، إلى حقن الأفكار الغربية في قلب العالم الإسلامي.
فعلى سبيل المثال، كان جمال عبد الناصر، زعيم مصر، يصف بلاده بأنها دولة “مستقلة” و”غير دينية”، وقال: “نحن نسعى إلى تأسيس ثقافة وحضارة جديدة تقوم على الحرية، والوحدة، والشيوعية، وفي هذا النظام، سيكون الإسلام مجرد دين من بين الأديان في مصر، وليس الدين الرسمي لها”.
وقد عمل عبد الناصر على إبعاد جامعة الأزهر عن الفكر التقليدي الإسلامي، وأدخل فيها الأفكار الغربية الحديثة. كما ألغى المحاكم الشرعية، وفرض التعليم المختلط في المدارس، وساهم في نشر الرقص والموسيقى. خلاصة الأمر، أنه كان يهدف إلى إزالة القيم الإسلامية من ثقافة المصريين واستبدالها بالثقافة الغربية.
أما طه حسين، الأديب المصري المعروف، فعلى الرغم من حفظه للقرآن وكتابته لعدد كبير من المؤلفات في الأدب العربي، كان يدعو صراحة إلى تبنّي الثقافة الغربية. كان يرى أنّه يجب على الشعب المصري أن يعتبر نفسه جزءاً من أوروبا، وأن يقتدي بها في الحضارة ونمط الحياة، وكتب في كتابه مستقبل الثقافة في مصر: “من الحمق أن نعتبر مصر جزءاً من الشرق، أو نضع العقل المصري في خانة العقل الشرقي كالهندي أو الصيني”.
كما كتب في موضع آخر: “علينا أن نعيش كالأوروبيين، ونسلك طريقتهم، لكي نكون على قدم المساواة معهم في شتى الأمور. يجب أن نشاركهم ثقافتهم، سواء في الخير أو في الشر، في الفرح أو في الحزن، حتى يدركوا أننا نفكر مثلهم، ونحلل الأمور كما يحللونها”.
وفي تركيا، كان ضياء كوك ألب من أوائل المروجين لفكرة تقليد الغرب والتبعية له، وكان يرى أن نهوض تركيا وتقدّمها لا يمكن أن يتحقّق إلا باتّباع النموذج الغربي، وقد شكّل الأساس الفكري والثقافي لمشروع مصطفى كمال أتاتورك.
كان يقول دوماً: “علينا أن نختار بين أمرين: إمّا أن نقبل بالحضارة الغربية، أو أن نصبح عبيداً لقوتها. ومن هنا، يجب أن نهيمن على هذه الحضارة لكي ندافع عن حريتنا واستقلالنا”.
وقد كتب العلامة أبو الحسن الندوي عن ضياء كوك ألب قائلاً: «له مكانة عالية بين صُنّاع تركيا الحديثة؛ لأنه هو الذي وضع الأساس الفكري للدولة والمجتمع التركي الجديد”
وقد كتب الأستاذ نيازي بركس في مقدمة كتابه مجموعة مقالات قائلاً: “ما زالت أفكار ضياء كوك ألب تهيمن على الإصلاحات الحديثة في تركيا”. ويضيف: “رغم أنّ ضياء كوك ألب تُوفِّي في المراحل الأولى من الثورة الكمالية، إلا أنّ كتاباته تحتوي على أفكار تُعدّ الأساس لتلك الإصلاحات. كما أنّ رؤيته في إصلاح الأمور الدينية أدّت إلى ظهور علمانية متطرّفة بدأت بعد وفاته، ومع ذلك، فإنني أعتقد أنّه لو كان حيًّا، لَرضي بسياسات ومواقف أتاتورك”.
ثم جاء بعده مصطفى كمال أتاتورك، فأقدم على اقتلاع جذور الثقافة والحضارة الإسلامية في تركيا، وكان إذا تحدّث عن جمال الحضارة الغربية، تلألأت عيناه وظهرت على وجهه علامات البهجة والانبهار، فقد ألغى الخلافة الإسلامية، وقطع جميع العلاقات مع الدولة العثمانية، ولم يعد الإسلام دين الدولة الرسمي، بل فُصل الدين تمامًا عن السياسة، كما ألغى الشريعة الإسلامية والمحاكم الشرعية، وفرض قوانين مدنية وسياسية وتجارية منقولة من الدول الأوروبية.
وأصدر قرارات تحظر الحجاب، وأباح الاختلاط والعلاقات غير الشرعية، وألغى أيضا اللغة العربية، واستبدل الأحرف اللاتينية بها، وكان يقول لمواطنيه: “علينا أن نرتدي لباس الشعوب المتحضّرة والمتقدمة، وأن نُثبت للعالم أننا أمة عظيمة ومتمدنة، ولا نريد لمن لا يعرفنا أن يسخر منّا ومن ثقافتنا القديمة. نريد أن نواكب العصر ونمضي مع تسارعه وتقدّمه”.
بشكلٍ عام، لم يكن لدى مصطفى كمال أتاتورك أيُّ التزامٍ أو اعتقادٍ بالدين والإيمان، وفرض الزيّ الغربي بقوة وعنف على المجتمع التركي، وكان يحمل عداءً شديدًا للمسائل الدينية، ولا يؤمن بـالقدر والقضاء، ولم يكن يسمح لأحد أن يذكر أمامه الله أو يتحدث عن الدين أو القضاء والقدر، أما في إيران، فقد بدأ رضا شاه بهلوي وعائلته مشروع تغيير الثقافة والعادات الدينية والاجتماعية تحت مسمى “الإصلاحات”، وقد اتخذ خطوات كبيرة وحاسمة أثّرت بعمق في المجتمع الإيراني، ساعيًا لجعل إيران تواكب العصر الحديث في مجالات التعليم والاجتماع. لذلك، في عام ۱۹۲۷م، أصدر قرارًا باعتماد الدستور الفرنسي في إيران، مما أدى إلى تهميش المحاكم الدينية، وفتح الطريق أمام فصل الدين عن السياسة.
أعلن أن المواد الدينية في المدارس الابتدائية غير ضرورية، وركّز على القومية والهوية العرقية، ومنح أهمية كبيرة للرياضة والمراكز الرياضية، حظر الزيّ الشرقي وفرض اللباس الأوروبي بدلاً من اللباس الوطني، سمح للنساء بالعمل في المؤسسات، ومنحهن حق الطلاق. كما منع ارتداء الحجاب، وسعى إلى تجريد اللغة الفارسية من المصطلحات والكلمات العربية.
أما في أفغانستان، وهي دولة ذات مجتمع مؤمن ومتدين ومتمسك بالتقاليد الوطنية، فقد سعى أمان الله خان إلى نشر الثقافة الغربية وأنماط الحياة والفكر والعقيدة الغربية، بديلاً عن الثقافة الإسلامية والوطنية.
تخلّى عن لقب “الأمير”، وسعى إلى إضعاف دور العلماء ورجال الدين في المجتمع. دعم سقوط الخلافة العثمانية في تركيا، واعتبره ضرورياً لتقدّم البلدان الإسلامية. أبعد العلماء عن القضاء والمحاكم، وأسس ما يسمى بـ”اللوائح التنظيمية”، وأصدر أحكامًا جديدة تتعلق بالنساء، وأنشأ جمعية باسم “جمعية حماية النساء”. حظر تزويج الفتيات القاصرات، وشجّع النساء على رفع قضايا ضد أزواجهن في المحاكم، كما منع الرجل من تطليق زوجته إلا بعد عرض الأمر على المحكمة.
وبعد عودته من رحلته الشهيرة إلى أوروبا، أصدر أوامر كثيرة كانت في أغلبها مخالفة للإسلام وللثقافة والتقاليد الوطنية، مثل: تحويل العطلة الأسبوعية من يوم الجمعة إلى الخميس، منع النساء من الخروج بالنقاب، إلزام الناس بارتداء البدلات الغربية، حظر إلقاء السلام باليد أو اللسان واستبداله برفع القبعة على الطريقة الغربية، منع التعدد في الزواج، وفرض رفع الحجاب.
لقد سبّبت أفكار هؤلاء الأشخاص صراعًا فكريًا ومعركة ثقافية شديدة التعقيد في الدول الإسلامية، وأدّت إلى ظهور تضارب في الرؤی الفكرية والدينية والثقافية بين العلماء والمفكرين المسلمين.
يتبع…

الجزء السابق | الجزء التالي

 

 

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version