الكاتب: أبو رائف
الاستعمار الجزء الثاني
لقد ارتكبت الدول الاستعمارية جرائم وأعمال وحشية مروعة خلال فترة استعمارها من الإبادة الجماعية، والاعتداءات الجنسية، والقصف على التجمعات والأماكن العامة، والإعدامات، والنفي، والتهجير القسري، والدفن حيًّا، حتى إن صفحات التاريخ خجلت من ذكر هذه الجرائم وتوثيقها، وكانت هذه بعضُ جوانبِ الظلم التي ارتكبتها تلك الدول. في هذا الجزء، سنعرض بعضًا من هذه الحالات.
جرائم فرنسا في الجزائر
فرنسا، التي تعتبر اليوم نفسها مهدًا للحضارة، وحرية التعبير، والتفكير العصري، والتي دائمًا ما تتهم المسلمين بالإرهاب ودعمهم له، هي في الحقيقة واحدة من أكبر الدول الاستعمارية، وهي مجرمة ومنتهكة لحقوق الإنسان. إن دراسة تاريخ فرنسا تكشف عن ارتكاب ضباطها وعسكرييها في فترة الاستعمار جرائم مروعة في دول مثل الجزائر وتونس وغيرها؛ بحيث يشير مؤرخون والكتّاب الفرنسيون أنفسهم إلى أنه خلال ۱۳۲ عامًا من استعمار فرنسا للجزائر، قُتل أكثر من عشرة ملايين شخص، كما جُرح ملايين آخرون، وتم نفيهم وتشريدهم.
جرائم ثورة ۸ مايو ۱۹۴۵م
من أبرز الجرائم التي ارتكبتها فرنسا في فترة استعمارها للجزائر كانت المجازر الرهيبة التي وقعت أثناء الثورة الشعبية والاحتجاجات السلمية في ۸ مايو ۱۹۴۵م. في هذا اليوم، قُتل ۴۵ ألف شخص من الشعب الجزائري الذين كانوا يطالبون باستقلالهم والتحرر من نير الاستعمار، في مناطق “سطيف”، “قالمه”، و”خراطة” على يد الجيش الفرنسي، سواء عبر الأرض أو الجو.
إن هذه الإبادة الجماعية الرهيبة تشكل وصمة عار على جبين الدول الاستعمارية، وخاصة فرنسا، وهي دليل واضح على طابع الإرهاب في تاريخ هذا البلد.
يكتب الدكتور “سعدي بزيان”، الكاتب والمفكر الجزائري، في كتابه “جرائم فرنسا في الجزائر”: “هل ينسى الشعب الجزائري أحداث ۸ مايو ۱۹۴۵م، التي ارتكبت فيها جرائم خطيرة جدًا من قبل القوات الفرنسية بحق سكان سطيف، خراطة، وقالمه؟”
ويضيف في مكان آخر: “قائمة جرائم فرنسا لا تعد ولا تحصى؛ هنا نناقش جرائم هذا البلد في ۸ مايو ۱۹۴۵، حيث قتل الاستعمار الفرنسي ۴۵ ألف إنسان، ومن هذه الحادثة انطلقت شرارة ثورة ۱۹۴۵م.”
كما أنهم في عام ۱۹۵۵م قتلوا ۱۲۰۰ شخص، وفي عام ۱۹۶۱م ۳۰۰ شخص تم إلقاء جثثهم في البحر؛ وفي عام ۱۸۳۲م قتلوا ۱۲۰۰ شخص في منطقة “العوفية”، وفي مسجد “الأربعاء” قتلوا ۴۰۰۰ شخص. مذبحة “الأغواط” التي تمت باستخدام القصف والقنابل الكيميائية مثل غاز الخردل، حيث استشهد أكثر من ۲۳۰۰ شخص من النساء والأطفال والعامة. هذه هي إحدى فصول جرائم فرنسا في الجزائر.
كانت الجزائر تحت الاستعمار الفرنسي لمدة ۱۳۲ عامًا، حيث قُتل أكثر من عشرة ملايين شخص أو تم نفيهم، وتعرضوا للتهجير، واستخدموا أنواعًا مختلفة من القنابل، وارتكبوا إبادة جماعية. كما اختبرت فرنسا ۱۷ مرة القنابل النووية على الشعب الجزائري، حيث تقدر عدد الضحايا بنحو ۱۰۰ ألف شخص.
بالإضافة إلى الجزائر، كانت فرنسا قد استعمرت تونس لمدة ۷۵ عامًا، والمغرب ۴۴ عامًا، وموريتانيا ۶۰ عامًا، وارتكبت العديد من الجرائم والظلم في هذه البلدان، وقتلت أو جَرحَت آلاف الأشخاص أو نفَتَهم.
في تونس، خلال عدة معارك مشهورة مثل “معركة الجلاء”، قصف “قرية سيدي يوسف”، معركة “جبل أقري”، “غار الجاني”، وغيرها… قُتل أكثر من ألفي شخص، وتم بتر أطراف العديد منهم، وأُعدم العديد من الجثث، وتم منع دفنها.
يكتب الكتاب والمفكرون التونسيون أنه في هذه المعارك، ارتكبت العديد من أعمال القصف، ونهب الموارد والمناجم الطبيعية، والاستيلاء على الأراضي الزراعية، وفرض ضرائب ثقيلة، والعديد من الممارسات الوحشية وغير اللائقة بحق الشعب التونسي.
جرائم إنجلترا في الهند
ظلت إنجلترا تستعمر الهند لأكثر من مئة وخمسين عامًا، من عام ۱۸۰۰م حتى ۱۹۴۷م. خلال هذه الفترة، قُتل ملايين البشر في محاكم عسكرية، كما مات العديد بسبب المجاعة والفقر الناتج عن الاستعمار، وتعرضت ديانة وثقافة هذا البلد للاعتداء والتهديد على يد الجنود البريطانيين.
وفقًا للدراسات التي تم إجراؤها، نفذت بريطانيا أكثر من ۸۰۸۰ هجومًا واعتداءً موجهًا أدى إلى القتل في الهند، حيث كان أكثر من مليون شخص من المسلمين ضحايا لهذه الهجمات. تعرضت الهوية الإسلامية في هذا البلد للهجوم، وتم قتل العديد من العلماء والمفكرين، سواء من المسلمين أو غير المسلمين، كما تم حرمان المسلمين من المناصب الحكومية العليا، وتم تشغيل الأطفال المسلمين في سن مبكرة، حيث خضعوا لغسيل دماغ.
مجزرة “أمريتسار”
في يوم ۱۳ أبريل ۱۹۱۹م، بينما كان أكثر من خمسة آلاف شخص من شعب الهند، سواء من المسلمين أو غير المسلمين، يجتمعون بشكل سلمي في حديقة “جاليانوالا باغ” في مدينة “أمريتسار” بولاية البنجاب للمطالبة بالاستقلال، تعرضوا للهجوم بناءً على أمر الجنرال “ريجنالد داير”، وبتوجيه من هذا الجنرال الذي عُرف بـ “جزار أمريتسار”، تم تحويل هذا التجمع إلى ساحة من الدماء، حيث قُتل أكثر من ۱۲۰۰ شخص وأصيب ۴۰۰۰ آخرون. كانت هذه الحادثة المؤلمة بداية لحملات التحرير وفي النهاية الاستقلال للهند.
الانتفاضة في عام ۱۸۵۷م وفشلها
عندما أدرك شعب الهند، سواء المسلمون أو غير المسلمين، بعد سنوات من الاستعمار المظلم، أن الإنجليز لم يكن لديهم هدف سوى نهب ثروات هذا البلد، وفرض الظلم على أهله، قرروا القيام بثورة عُرفت بثورة ۱۸۵۷م، وكان العديد من العلماء المسلمين لهم دور كبير في هذه الثورة. في الواقع، كان للمسلمين، وبخاصة العلماء والمشايخ، الدور الرئيسي في تحفيز أهل الهند لاستعادة استقلالهم وحريتهم. من العلماء الذين شاركوا في هذه الثورة: “الشيخ أحمد الله”، ” الشيخ لياقت علي”، “الشيخ محمد قاسم النانوتوي”، ” الشيخ رشيد أحمد جنجوي”، رحمهم الله تعالى… وقد كان لهم دور مهم وأساسي في هذه الانتفاضة.
للأسف، فشلت هذه الثورة، وقام الإنجليز بارتكاب أبشع الجرائم. يكتب “العلامة السيد أبو الحسن الندوي”، الكاتب والمفكر الإسلامي الشهير في الهند: “بعد فشل هذه الثورة، انتقم الإنجليز بأبشع الطرق، حيث تم فتح سوق للقتل والسلب في مدينة دلهي؛ سالت الدماء، وقطعت الرؤوس، وأُطلقت الرصاصات بلا تمييز، ونهبت المنازل. وغادر كل من كانت لديه القدرة على إنقاذ نفسه وعائلته وكرامته المدينة، لدرجة أن المدينة التي كانت تُعتبر عروس المدن وعاصمة الهند تحولت إلى صحراء مرعبة، لم يبق فيها سوى المنازل المهجورة والخرائب المدمرة والجثث المتعفنة، بالإضافة إلى جيوش من الوحوش.
ثم جاء دور الإعدام والخنق للمسلمين، حيث تم نصب مشانق على الطرق والشوارع العامة وأصبحت أماكن للتسلية، وفي غضون سبعة أيام، تم إعدام سبعة وعشرين ألف مسلم، وبهذا الشكل كُتِب أحد أفظع الأحداث في تاريخ الاستعمار”.
أنواع الاستعمار ونماذج منها
لقد كان للاستعمار عبر التاريخ أنواع وأشكال مختلفة، وقد استخدمت الدول الاستعمارية طرقًا متعددة للاستيلاء على الدول الأخرى. وفيما يلي أهم أنواع الاستعمار:
۱- الاستعمار مع التوطين:
هذا النوع من الاستعمار يعتمد على تشجيع الدولة الاستعمارية شعبها للهجرة إلى الأراضي المستعمَرة للاستفادة من ثروات هذا البلد واحتلال أراضيه، ويُعد هذا النوع من الاستعمار خطرًا للغاية، حيث يقوم الغزاة بزيادة عددهم، والاستفادة من موارد الأرض، وأحيانًا قتل السكان الأصليين أو طردهم من مدنهم، كما حدث في فلسطين. تقوم حكومة الاحتلال الإسرائيلي يومًا بعد يوم بالمزيد من الاستيلاء على الأراضي وتوسيع المستوطنات وقتل السكان الأصليين، مما يؤدي إلى السيطرة على ثروات وأملاك فلسطين.
۲- الاستعمار العسكري:
هذا النوع من الاستعمار هو عندما تهاجم دولة قوية وذات قوة عسكرية دولة أخرى ضعيفة لا تمتلك السلاح القوي أو القدرة الدفاعية، فتقوم بسرقة ثرواتها ومواردها الطبيعية، كما فعلت فرنسا أثناء احتلالها للجزائر وتونس (تم تناول ذلك في قسم “جرائم الاستعمار”).
۳- الاستعمار الداعم:
في هذا النوع من الاستعمار، تفرض الدولة الاستعمارية على الدولة المستعمَرة توقيع معاهدة تُعترف فيها الدولة المستعمَرة بحماية الدولة الاستعمارية، وبهذا الأسلوب، تظهر الدولة الاستعمارية نفسها كحامي للدولة المستعمَرة، ويمكنها التدخل في أراضيها في أي وقت تشاء، دون الحاجة إلى طلب من الدولة المستعمَرة، مما يتيح لها التدخل التدريجي في جميع شؤون تلك الدولة الاقتصادية والعسكرية والسياسية. نفذت بريطانيا هذا النوع من الاستعمار في الخليج العربي، وكذلك فعلت فرنسا مع تونس في فترة استعمارها للبلاد، وفقًا لمعاهدة عام ۱۸۸۱م التي تم تجديدها في ۱۸۸۳م، مما أدى إلى سلب كافة الصلاحيات الخارجية والدبلوماسية من تونس.
۴- الاستعمار الانتدابي:
يُعرف هذا النوع من الاستعمار أيضًا بالاستعمار “القيمومي” أو “الوصائي” وفي اللغة العربية يسمى “الانتداب”. في هذا النوع، تقوم الدولة الاستعمارية بحماية جزء من ثروات الدولة المستعمَرة مقابل السيطرة على تلك الثروات تدريجيًا، وتستولي على موارد البلد بشكل مستمر حتى تصبح صاحبة السيطرة الكاملة على الأرض، ويُعد هذا النوع من الاستعمار من أفظع أنواع الاستعمار، حيث تعتبر الدول الاستعمارية نفسها وكيلة أو ممثلة للدول المستعمَرة.
۵- الاستعمار الوصائي:
هذا النوع من الاستعمار مشابه جدًا للاستعمار “الوكالي”، لكنه في هذا النوع من الاستعمار تتسلط الأمم المتحدة على الدولة المستعمَرة، حيث تسيطر على ممتلكات الدولة ومواردها وتستخدمها حسب ما تشاء وبالطريقة التي تراها مناسبة.
هذا النوع من الاستعمار يؤدي إلى سلب الاستقلال والسيادة الوطنية للدولة المستعمَرة، ويحد من قدرتها على اتخاذ القرارات، ولا يؤدي إلى أي نتائج إيجابية أو عملية مؤثرة لصالح تلك الدولة.
إن الأنواع المذكورة هي أشهر أشكال الاستعمار التي استخدمتها الدول الاستعمارية الأوروبية في السيطرة على البلدان الضعيفة في الشرق الأوسط وأفريقيا.
يتبع…
الجزء السابق | الجزء التالي
