
الكاتب: خالد ياغي زهِي
حُكمُ الاحتفال بليلةِ يَلدا وتاريخُها
(الجزء السابع)
يَلدا في ميزانِ الشريعة:
إنّ اللهَ تعالى قد غضب على تشابُه القلوب، وسيُحاسِب القلوبَ على ذلك، فكيف تجعلون قلوبَكم عند إقامة أعيادٍ كليلةِ يَلدا على شاكلة قلوبِ أسلافكم الذين كانوا على دينٍ غير الإسلام؟انظروا كيف ذمّهم اللهُ ووبّخهم، ثم بيّن سببَ هذا العتاب والغضب بقوله تعالى: (قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ).[1]
وقال الصحابيُّ الجليل عبدُ الله بنُ عمرو رضي الله عنهما: «مَن بَنى في بلادِ الأعاجم، وصنع نيروزَهم ومِهرجانَهم، وتشبهَ بهم حتى يموتَ وهو على ذلك، حُشِرَ معهم يومَ القيامة»[2].
فانظر إلى عِظَم هذا الوعيد وشدّة هذا التهديد، ثم اعلم أنّ ليلةَ يَلدا لا تختلف عن عيدِ النيروز ولا عن مهرجان؛ فكلّها من أعيادِ الزرادشتيين. فيجب الحذرُ من التشبّه بالأمم السابقة في أعيادهم؛ لأنّ الأعيادَ من المناسك، والمناسكُ من الخصوصيّات الدينيّة، وقد علمنا أنّ الأممَ التي سبقتنا كانت ضالّة، وأنّ عاداتِها وتقاليدَها قد نُسِخت، فلا يجوز لنا اتّباعُها. بل إنّ الهدايةَ الحقّة والصراطَ المستقيم هو الطريقُ المخالفُ لسبيلِ الضالّين، الموافقُ لمرادِ الله. ونحن نسأل اللهَ هذه الهدايةَ كلَّ يومٍ سبعَ عشرةَ مرّة، فنقول: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ)[3].
فمع هذا الدعاء اليومي، وطلبِنا من الله أن يُبعِدنا عن طريقِ الأمم السابقة ويهدينا الصراطَ المستقيم، أفيكون من العقل أن نكذّب دعاءَنا بأفعالنا، فنقيم الأعيادَ الزرادشتية كليلةِ يَلدا، ونتّبعهم في طرائقهم؟ أهذا من العقل؟ أم هو من أجهلِ الأمور؟
لقد نهانا اللهُ تعالى بشدّة عن التشبّه بالأمم السابقة، فقال: (وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ)[4].
وقال رسولُ الله ﷺ: «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ كان قبلكم شِبراً بشِبر، وذراعاً بذراع، حتى لو دخلوا جُحرَ ضبٍّ لدخلتموه». قالوا: يا رسولَ الله، اليهودَ والنصارى؟ قال: «فمَن؟»[5].
فانظر إلى حال الناس اليوم؛ إذ لم يقتصروا على اتّباع عادات اليهود والنصارى، بل اتّبعوا كذلك عادات الزرادشتيين، وأقاموا أعيادَهم، واحتفلوا بالنيروز وليلةِ يَلدا، ثم قالوا: هذا دينُ آبائنا!
هكذا كانت الأممُ الضالّة دائماً؛ كلّما فعلوا أمراً قالوا: هذا من عادات آبائنا، واللهُ أمرنا به، وليس مخالفاً للدين! وحالُهم كحال من قال الله فيهم: (وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ)[6].
فكلما ارتكبوا ذنباً أو فاحشة، أو أقاموا عيداً باطلاً، قالوا فوراً: هذا من ثقافتنا! لا تعارض بينه وبين الإسلام! بل إنّ الله يشجّع على مثل هذه الأمور! حاشا لله وحاشا للإسلام أن يُشجّعا على أعيادٍ هي من أعياد الكفّار! وحاشا لله ودينه أن يدعوا الناس إلى أمورٍ مليئةٍ بالحرام والمنكرات والبدع، فإذا لم يرد مثل هذا العيد في ديننا، فلماذا نُقيمه؟ وإذا كان الله جلّ جلاله قد حذّرنا من اتّباع أهواء الناس والأمم السابقة، فلماذا نُحيي أعيادَهم؟
وقد قال الله تعالى قولاً بليغاً جامعاً: (وَآتَيْنَاهُم بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ * ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ * إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ * هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ)[7].
يتبع…
الجزء السابق | الجزء التالي
[1]. سورة البقرة، الآية: ۱۱۸.
[2]. البيهقي، أحمد بن الحسين بن علي، السنن الكبرى، الجزء التاسع، ص ۲۳۴، كتاب الجزية، باب كراهية الدخول على أهل الذمة في كنائسهم والتشبّه بهم يوم نيروزهم ومِهرجانهم، رقم الحديث: ۱۸۶۴۳، مكتبة دار الباز – مكة المكرمة، ۱۴۱۴هـ / ۱۹۹۴م.
[3]. سورة الفاتحة، الآيتان: ۶–۷.
[4]. سورة آل عمران، الآية: ۱۰۵.
[5]. العيني، بدر الدين محمود بن أحمد، عمدة القاري شرح صحيح البخاري، الجزء الخامس والثلاثون، ص ۴۳۷، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب قول النبي ﷺ: «لتتبعن سنن من كان قبلكم»، رقم الحديث: ۷۳۲۰هـ، دار الكتاب العربي – بيروت.
[6]. سورة الأعراف: الآية: ۲۸.
[7]. سورة جاثیة، آیه: ۱۷-۲۰.
