ذكرنا في المبحث السابق أن الماسونية مرّت بمرحلتين مهمتين، ونتناول الآن المرحلة الأولى، وهي «المرحلة القديمة»، التي امتدت من بداية القرن الثامن قبل الميلاد إلى القرن الثامن عشر الميلادي.
أهم خصائص هذه المرحلة وأحداثها
إنشاء أولى مدارس البنّائين
أنشأ الحاكم الروماني «نوما بومبيليوس»، ثاني حكّام روما، في المدة الممتدة من سنة 715 قبل الميلاد إلى سنة 673 بعد الميلاد، أولى المدارس الخاصة بمزاولي حرفة البناء. وكانت هذه المدارس تُسمّى «مدارس البنّائين»، وتتكوّن من ثلاث طبقات:
– التلاميذ؛
– الرفقاء؛
– الأساتذة.
وكانت أسرار هذه الحرفة تُدرَّس في هذه المدارس باستخدام الرموز والإشارات؛ حتى تظلّ محجوبة عن غير أعضاء مدارس البنّائين؛ إذ كانت حرفة البناء آنذاك ذات أسرار ومكانة خاصة[1].
وكانت هذه المدارس، نظرًا إلى دورها المهم في تحقيق الأهداف الاستعمارية، تتمتّع بامتيازات وصلاحيات بوّأتها مكانة متقدمة بين المؤسسات الحكومية، وجعلتها خاضعة للإشراف المباشر للحاكم؛ لأن الحاكم المستعمِر كان يستعين بهذه المدارس لتوسيع نفوذ بلاده ونشر الثقافة المعمارية وتقاليد البناء الخاصة ببلاده في الأراضي المحتلة
وهكذا، فعلى الرغم من أن هذه المدارس كانت ذات طبيعة مهنية خالصة، فإنها كانت في الحقيقة أداة سياسية لتوسيع دائرة السيطرة والنفوذ؛ فكانت تتوسّع باتساع الحكم الروماني، وتتراجع بتراجعه[2].
وفي إحدى السنوات، أقامت في روما جماعة من المهندسين اليهود تحت حماية الحاكم، فأذن الحاكم لأفراد هذه الجماعة بالانضمام إلى مدارس البنّائين، وكانت هذه الخطوة بداية انتقال التعاليم والرموز اليهودية إلى هذه الجمعية[3].
ومنذ منتصف القرن الأول الميلادي حتى سنة 280م، أخذت أوضاع مدارس البنّائين تتدهور؛ بسبب إهمال الحكّام وما تعرّض له أتباع هذه الحرفة من اضطهاد حين اعتنقوا المسيحية؛ حتى اضطر البنّاؤون إلى إنشاء فروع لجمعيتهم تحت أسماء تمويهية، مثل «جمعية الفنون».
ولكن في سنة 287م، سيطر أحد القادة الرومان على بريطانيا واستقلّ بالحكم فيها، فأعاد إلى البنّائين امتيازاتهم، وأضاف لقب «الأحرار» إلى اسمهم. ومنذ ذلك الوقت أصبحوا يُعرَفون باسم «البنّائين الأحرار»، وصارت مدينة «يورك» في بريطانيا مركزًا لمحافلهم واجتماعاتهم[4].
وتجدر الإشارة هنا إلى أن هذا الحدث يدلّ على أن اسم «الماسونيين» أو «البنّائين الأحرار» كان موجودًا في بريطانيا منذ القرن الثالث الميلادي، على الرغم من أن الانتشار الواسع لهذا الاسم كان في القرنين السابع والثالث عشر الميلاديين، كما أكّد ذلك باحثون غير ماسونيين؛ خلافًا لمن ادّعوا أن اسم الماسونية لم يكن موجودًا أصلًا قبل الخامس والعشرين من أغسطس سنة 1716م[5].
وفي سنة 926م، اجتمع رؤساء المحافل الماسونية من مختلف أنحاء أوروبا في مدينة يورك، واتفقوا على مجموعة من القوانين والمبادئ المُنظِّمة للجمعيات الماسونية في أنحاء العالم. ودُوّنت هذه القوانين تحت اسم «لائحة يورك»، وكان من أهم موادها ما يأتي:
أ- يجب على كل ماسوني أن يحترم الله ويعظّمه، وأن يعبده وفق إحدى «شرائع نوح» الإلهية.
ب- يجب على كل ماسوني أن يكون وفيًّا ومطيعًا لملك البلد الذي يقيم فيه أو لحاكم ذلك البلد، وأن يلتزم الأمانة في تعامله مع إخوانه الماسونيين وغيرهم.
ج- يجب على كل تلميذ ورفيق أن يطيع الأستاذ رئيس الحرفة، وألّا يقبل الأستاذ تلميذًا إلا بعد إتمام التلميذ سبع سنوات من الاختبار والتجربة. ولا يجوز للأستاذ قبول شخص غير ماسوني أو إطلاعه على أسرار الحرفة، كما لا يجوز للأستاذ أو الرفيق تقاضي أجرة مقابل قبول التلميذ.
د- يجب على كل ماسوني أن يستقبل الأخ الماسوني الغريب إذا أظهر علامات التعارف السرّية، وأن يبادر إلى مساعدته بقدر استطاعته إذا أطلق نداء الاستغاثة.
ومنذ منتصف القرن الثالث عشر الميلادي، أخذت الجمعيات الماسونية تنمو وتتوسّع، وأنشأت فروعًا لها في ألمانيا وإيطاليا وفرنسا وإسكتلندا وغيرها من الدول الأوروبية، وغلب على أعضائها لقب «البنّائين الأحرار»[6].
وكان الملوك والأمراء يحرصون أيضًا على نيل منصب الرئاسة الشرفية في هذه الجمعيات؛ ففي سنة 1350م، أمر ملك إنجلترا «إدوارد الثالث»، المتوفى سنة 1377م، بتعديل بعض مواد «لائحة يورك» وإضافة مواد جديدة إليها، كان من أهمها ما يأتي:
أ- يجب أن تُقرأ قوانين الماسونية على الأخ الماسوني عند قبوله.
ب- يجب التحقّق من أحوال الأساتذة الماسونيين وإخضاعهم للاختبارات؛ للتأكد من ولائهم للجمعية والملك.
ج- عندما يعقد رئيس أحد المحافل الماسونية اجتماعًا مع مساعديه، اللذين يُسمّيان «المنبّهين»، يجب أن يكون والي البلاد أو حاكمها حاضرًا في مكان قريب من الاجتماع؛ حتى يساعد رئيس المحفل ومساعديه عند الحاجة[7].
ومن الواضح أن هذه المواد تكشف عن طابع رقابي أمني تجاه الأساتذة الماسونيين؛ لأن الملوك كانوا قد أدركوا خطر الانتشار العالمي للمحافل الماسونية.
وفي أوائل القرن السادس عشر الميلادي، اتجهت بعض المحافل الماسونية إلى استقطاب عدد من المفكرين والعلماء بوصفهم «ضيوفًا شرفيين». وفي ذلك الوقت، بدأت الدوافع السياسية لهذه المحافل تظهر، في حين أخذت دوافعها المرتبطة بحرفة البناء تضعف تدريجيًّا، وكان ذلك بداية الاتجاه نحو ترك الطريقة القديمة[8].
وفي سنة 1703م، اجتمع الماسونيون الإنجليز في محفل «القديس بولس» في لندن، وناقشوا تدهور الجمعيات الماسونية العملية التي كانت على وشك الانهيار. واتجهت الأنظار نحو التحوّل من الطريقة العملية إلى الطريقة الرمزية، أي قبول غير البنّائين وغير المهندسين رسميًّا؛ إذ سبق أن قُبل كثير من هؤلاء بوصفهم «أعضاء شرفيين».
وبناءً على ذلك، اتفق الماسونيون على ألّا تظل منافع الماسونية وامتيازاتها مقصورة على البنّائين الممارسين للحرفة، بل تشمل أصحاب المهن الأخرى أيضًا، بشرط الموافقة رسميًّا على قبولهم.
غير أن هذا القرار، الذي عُرف باسم «لائحة لندن»، لم يدخل حيّز التنفيذ عمليًّا؛ بسبب الخلافات الواسعة بين الماسونيين في إنجلترا واسكتلندا والمناطق الأخرى[9].