الكاتب: أبو رائف
الماسونية (القسم السادس)
نشأة الماسونية ومراحلها التاريخية
نتناول في هذا المبحث نشأة الماسونية ومراحلها التاريخية بالدراسة والتقييم. لا يُعرف على وجه التحديد التاريخ الدقيق لنشأة الجمعية الماسونية، ويرجع سبب ذلك ـ كما سبق ـ إلى غموض هذه الجمعية وسرّيتها؛ حتى إن دعاة الماسونية أنفسهم يعترفون بهذا الأمر، على الرغم من أنهم أوردوا في هذا الشأن أقوالًا متناقضة تكشف مدى جهلهم وحيرتهم في هذه المسألة.
ومن خلال دراسة ما كتبه أنصار هذه الحركة، يتبيّن أن كتاباتهم وأقوالهم في هذا الشأن متناقضة ومضطربة ومتزلزلة، وأن كل واحد منهم قد أورد أقوالًا مختلفة وادعاءات متعارضة.
وسنسعى في هذا المبحث، من خلال دراسة كل قول من هذه الأقوال وتقييمه، إلى معرفة التاريخ الدقيق والزمن المتفق عليه لنشأة هذه الحركة السرّية الغامضة ونموّها؛ حتى نتعرّف بصورة أوضح إلى النطاق الزمني والقرون التي نشأت فيها هذه الحركة.
ويشير جرجي زيدان، الكاتب الماسوني المشهور وأحد أنصار هذه الحركة وقادتها، إلى اختلاف ادعاءات أتباع هذه الحركة بشأن التاريخ الدقيق لنشأتها وبدايتها ونموّها، كما يذكر بعض الادعاءات والأقوال الغريبة والخيالية في هذا الشأن، فيقول: «ذكر المؤرخون أقوالًا متعارضة بشأن منشأ هذه الجمعية؛ فقال بعضهم إن هذه الجمعية حديثة، وإن تاريخها، بناءً على قولهم، لا يتجاوز القرن الثامن عشر الميلادي.
وأرجع آخرون بتاريخها إلى ما قبل هذه المرحلة، فقالوا إنها نشأت من جمعية «الصليب الوردي» التي تأسست سنة 1616م. وأرجعها فريق إلى عهد الحروب الصليبية، وأرجعها فريق آخر إلى عصر اليونانيين في القرن الثامن قبل الميلاد.
وقال بعضهم إن هذه الجمعية نشأت في معبد سليمان. وادّعى فريق آخر أن منشأها أقدم من ذلك بكثير،فنسب نشأتها إلى كهنة المصريين والهنود وغيرهم. وسلك آخرون سبيل المبالغة، فزعموا أن مؤسسها آدم عليه السلام.
والأعجب من ذلك أن فريقًا قال إن الله سبحانه أسّسها في جنة عدن، وإن الجنة كانت أول محفل ماسوني، وإن ميكائيل، رئيس الملائكة، كان أول أستاذ أعظم لذلك المحفل، إلى غير ذلك من الأقوال القائمة على محض الوهم.
ويرجع سبب هذا الاختلاف والتعارض بين الأقوال إلى ما يكتنف تاريخ الماسونية في القرون الماضية من ظلمة وغموض؛ لأن الماسونية ـ كما هو ظاهر ـ جمعية سرّية» [1].
وقد أيّد هذا الكلام أيضًا الكاتبان الماسونيان شاهين مكاريوس وحنّا أبو راشد، غير أن حنّا أبا راشد تراجع بعد ذلك عن هذا الاعتراف، فقال: «من الأقوال الراجحة في هذا الموضوع ـ كما صرّح بذلك كثير من المؤرخين ـ أن الماسونية نشأت في عهد سليمان الحكيم سنة 1015 قبل الميلاد؛ لأن عهده اقترن بحضارة متميزة، كان العمران والعمارة من أبرز خصائصها، وكان هذا الأمر يقتضي أن تقوم جماعة من «البنّائين الأحرار» بتأسيس هذه الطريقة في معبد سليمان نفسه.
وهذا قول لعلّه أقرب إلى التحقيق وسلامة البحث في موضوع نشأة الماسونية» [2].
ويتضح التعارض بين هذه الأقوال حين نجد، في غاية الدهشة والاستغراب، أن مكاريوس يرى أن القول نفسه الذي وصفه حنّا أبو راشد بأنه «من الأقوال الراجحة» ناتج عن «خطأ فاحش»؛ لأنه لو كان الأمر كذلك، لوجب أن يكون «معبد سليمان» إشارة حقيقية إلى الجمعية الماسونية، مع أن المعبد في الماسونية ليس إلا إشارة رمزية، لا إشارة حقيقية.
وبسبب هذه التقاليد والرموز نشأ ذلك الخطأ الكبير؛ إذ ظنّ المؤرخون أنَّ الخيال والوهم حقيقة، وبنوا أقوالهم عليهما [3].
وقد أيّد بعض المحققين والباحثين هذا الرأي أيضًا، فقالوا: «لا صلة للماسونية البنائية القديمة بسليمان عليه السلام ولا بمعبده المزعوم؛ بل إن ذلك المعبد، شأنه شأن سائر الرموز المعنوية الماسونية، رمزٌ انتقل في معظمه إلى الجمعية الماسونية بفعل بعض التأثيرات اليهودية» [4].
مراحل الماسونية التاريخية
على الرغم من هذا الاضطراب والتعارض في تحديد تاريخ نشأة الماسونية، فإن كبار المؤرخين الماسونيين العرب، وهم شاهين مكاريوس وجرجي زيدان وحنّا أبو راشد، متفقون على أن للماسونية مرحلتين:
1. المرحلة الأولى: المرحلة القديمة العملية أو الحقيقية.
2. المرحلة الثانية: المرحلة الحديثة الرمزية أو المعنوية [5].
وقد قبلت هذا التقسيم أيضًا جماعةٌ من الباحثين المخالفين لحصر تاريخ الماسونية في مدة محدودة، وإن اختلفوا فيما بينهم في تحديد بداية المرحلة الأولى؛ فقد حدّد الماسونيان الأولان، مكاريوس وزيدان، بدايتها بسنة 715 قبل الميلاد، بينما ذكر آخرون سنوات مثل سنة 926م، وسنة 1258م، وسنة 1330م، أو لم يحدّدوا لها تاريخًا أصلًا. أما حنّا أبو راشد، فقد أصرّ على أن الماسونية القديمة بدأت في عهد سليمان عليه السلام سنة 1015 قبل الميلاد [6].
منكرو المرحلة القديمة
أنكر فريق آخر من الباحثين وجود هذه المرحلة القديمة إنكارًا تامًّا، ورأى أن الماسونية لم تكن موجودة أصلًا قبل سنة 1717م، وأنها لم تعرف سوى المرحلة الحديثة [7].
غير أن مما تجدر الإشارة إليه، وينبغي أخذه في الاعتبار، أنه يمكن ردُّ هذه النظرية ببعض الوقائع التاريخية التي يعترف بها هؤلاء المنكرون أنفسهم؛ وتدل هذه الوقائع على وجود جماعات من البنّائين أو «الماسونيين» قبل سنة 1717م.
أما ما حدث سنة 1717م، فكان تحوّلًا جذريًّا في الطريقة الماسونية؛ إذ تحوّلت هذه الجمعية إلى منظمة فكرية ذات لائحة قانونية وأهداف سياسية خفية، وابتعدت عن حرفة البناء [8].
ويبدو إذن أن مرحلة تطوّر هذه الحركة وإعادة ترتيبها وتنظيمها بدأت بعد القرن الثامن عشر، وأنها كانت موجودة قبل ذلك، لكن لم يكن لها ترتيب ونظام خاصّان [9].
وخلاصة جميع هذه المباحث أن للماسونية، بناءً على اتفاق ضمني أو صريح، مرحلتين:
1. المرحلة القديمة: قبل سنة 1717م.
2. المرحلة الحديثة: بعد سنة 1717م.
ونحن أيضًا نعتمد هذا التقسيم، ونوافق مكاريوس وزيدان في تحديد بداية المرحلة القديمة؛ إذ حدّدا بدايتها بسنة 715 قبل الميلاد؛ لأن قبول هذا الادعاء لا يلحق بنا ضررًا، فقد اتُّفق على أن الماسونية في هذه المرحلة، ومنذ بداية نشأتها، كانت جماعة من العمال تختص بتشييد المباني وما شابهها، ولم يكن يُقبل فيها إلا من كان يمارس حرفة البناء عمليًّا.
وبناءً على ذلك، بدأت المرحلة الأساسية والخطيرة لهذه الحركة بعد القرن الثامن عشر، أما الماسونية قبل ذلك فكانت قائمة على حرفة البناء والعمل الحر فحسب.
یتبع
القسم السابق | القسم التالي
المراجع والمصادر
[1] تاريخ الماسونية العام، ص 13.
[2] الآداب الماسونية، ص 1؛ وشاهين مكاريوس، الحقائق الأصلية في تاريخ الماسونية العملية، مؤسسة هنداوي، بلا تاريخ، ص 35.
[3] الحقائق الأصلية في تاريخ الماسونية العملية، ص 36.
[4] الماسونية بين أنصارها وخصومها، ص 262.
[5] الحقائق الأصلية في تاريخ الماسونية العملية، ص 73، 165؛ وكذلك الآداب الماسونية، ص 3–5.
[6] الماسونية بين أنصارها وخصومها، ص 263.
[7] تبديد الظلام أو أصل الماسونية، ص 31.
[8] المرجع السابق، ص 48–49.
[9] الماسونية بين أنصارها وخصومها، ص 264.
شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version