الکاتب: أبو عائشة
البعث بعد الموت
(الجزء الحادي عشر)
إحياء الموتى في الدنيا دليلٌ على إمكانه في الآخرة
على مرّ التاريخ لم يأتِ أحد بدليلٍ علميٍّ ينفي المعاد، وكلّ ما يردّده منكروه هو الاستبعاد القائل: كيف يمكن أن يُبعث إنسانٌ مات وقد تفتّتت أجزاؤه وتفرّقت واندثرت؟ أليس هذا محالًا؟
والجواب الذي يقرّره العقل والقرآن معًا هو أنّ ذلك ممكنٌ بلا شكّ ولا ريب؛ لأنه أمرٌ يمكن تصوّره ذهنيًا، ولأننا نرى بأعيننا في كلّ يومٍ وليلة نماذجَ متكرّرة لإحياء ما كان ميتًا؛ نماذجَ يدركها العقل السليم إذا أحسنّا إعماله.
وهنا، وإن كانت استدلالاتنا مستندةً إلى القرآن الكريم، فإنّ القرآن نفسه يدعو عقولنا إلى التفكّر، ويقول: أليس من ترون نماذج أفعاله في كلّ يومٍ وليلة، وفي كلّ فصلٍ من فصول السنة، جديرًا بأن لا يُستبعد عليه فعلٌ ولا يُنكَر منه عمل؟!
ومن ذلك تعاقُبُ الربيع والخريف على الأشجار، وهو مثالٌ آخر على موت النبات وحياته. قال تعالى في سورة فاطر: إنّ الله هو الذي يرسل الرياح فتُثير السحاب، فيسوقه إلى بلدٍ ميت، فيُحيي به الأرض بعد موتها، ثم قال ﴿كَذَٰلِكَ النُّشُورُ﴾[1] [فاطر: 9]
أي إنّ بعث الموتى شبيهٌ بإحياء الأشجار والنباتات.
وقال تعالى في موضعٍ آخر: ﴿وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَٰلِكَ الْخُرُوجُ﴾[2]
وعليه، فإنّ شواهد الإحياء في الخلق والكون تتجلّى أمام أعيننا ليلًا ونهارًا، وفي كلّ عامٍ وفصل، فتجعل مسألة بعث الموتى أمرًا يسير الفهم، واضح الدلالة، لا يحتاج إلى كبير تفكير ولا يكتنفه غموض أو تعقيد. وإنّما الواجب علينا أن نقرأ هذه الآيات الكونية، وأن نرفع عن عقولنا حُجُب الجهل والتعصّب، لندرك حقّية هذا الأمر، ونعترف بعظمة الله تعالى وقدرته.
نماذج أخرى على إمكان المعاد
لقد ساق القرآن الكريم أمثلةً كثيرة لإثبات أنّ إحياء الموتى ليس أمرًا مستحيلًا، وأكّد في كلّ مثالٍ أنّ القادر على الإحياء في الدنيا قادرٌ عليه في الآخرة.
ولا بدّ من التنبيه إلى أنّ القرآن لم يقتصر في إثبات حقيقة البعث يوم القيامة على الآيات التي تحتاج إلى تدبّرٍ عميق فحسب، بل ذكر أيضًا أدلّةً لا تحتاج إلى كثير تفكير، وهي مشاهدة إحياء الموتى عيانًا في هذه الدنيا بعد موتهم، وهذه المشاهدة نفسها حجّةٌ قاطعةٌ على من رآها. فإذا ثبت هذا الأمر بدليلٍ قطعيٍّ، صار حجّةً قويّةً كذلك على من لم يشهده بنفسه[3].
وإذا تتبّعنا هذه الأدلة وجدنا في القرآن نماذج كثيرة، ومن ذلك ما رواه أبو مالك: أنّ أُبيَّ بن خلف جاء إلى النبي ﷺ بعظمٍ رميم، ففتّته بين يديه، وقال: يا محمد، أيرجع الله هذا بعد أن بَلِيَ وصار ترابًا؟ فقال رسول الله ﷺ: «نعم، يحييه الله، ثم يميتك، ثم يحييك، ثم يدخلك نار جهنم»[4]. قال الراوي: فنزلت آخر آيات سورة يس، حيث قال الله تعالى لنبيّه ﷺ: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾[5]
وفي القرآن الكريم أمثلة كثيرة على أنّ الله تعالى أحيا الموتى في أحوالٍ معيّنة، وتحت ظروفٍ مختلفة، وبقوا أحياء مدّةً يشاهدهم الناس، وهذا أعظم دليلٍ على إمكان إحياء الموتى بعد مفارقة الدنيا. ومن ذلك قصة نبيّ الله عزير عليه السلام، الذي مرّ في سفره على قريةٍ خربة، فتساءل تعجّبًا لا إنكارًا: كيف يحيي الله هذه بعد موتها؟ وقد قصّ الله تعالى خبره كاملًا في كتابه فقال: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ يُحْيِي هَٰذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾[6]
وقد اختلف العلماء في تحديد شخصية هذا الرجل؛ فقيل هو نبي، وقيل بل كان عبدًا صالحًا من الصالحين. غير أنّ جمهور السلف رحمهم الله قالوا: إنّ الذي مرّ على القرية كان عبدًا صالحًا من بني إسرائيل يُدعى عزيرًا. وذلك بعد أن دخل بختنصر بعض نواحي بيت المقدس وخرّبها، فمرّ عزير بتلك الديار فرأى سقوف البيوت ساقطةً وخرابًا شاملًا، فاستعظم الأمر، وتعجّب من عظمة الله تعالى وقدرته، وسأل كيف يحيي الله هذه الخرائب، وكان تعجّبه تعجّب إيمانٍ لا إنكار ولا استبعاد[7].
يتبع…
جزء السابق | جزء التالي
[1] سورة فاطر، الآية: ۹.
[2] سورة ق، الآية: ۱۱.
[3] الرفاعي، صفية، إثبات المعاد وبيان حقيقته، نشر المقال في المجلة الإلكترونية الشاملة متعددة التخصصات، العدد الثالث والعشرون، شهر ۴، ۲۰۲۰م، ص ۶.
[4] حارث بن محمد البغدادي، بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث، تحقیق حسین أحمد الباکري، ج۲، ص ۷۲۷، ناشر: مرکز خدمة السیرة النبویة-المدینةالمنورة.
[5] سورة يس: الآية: ۷۹.
[6] البقرة: ۲۵۹.
[7] الصوفي، ماهر أحمد، موسوعة البعث والنشور، تقديم: كوكبة من العلماء، ۱۴۳۱هـ/۲۰۱۰م، ص ۳۵.

