بعد الهجوم الذي استهدف برجي التجارة (البرجين التوأمين)، وجهت الولايات المتحدة أصابع الاتهام إلى تنظيم القاعدة، وفرضت ضغوطاً على الإمارة الإسلامية لتسليم أسامة بن لادن والمجاهدين العرب الذين لجأوا إلى أفغانستان، ووجدت الإمارة الإسلامية نفسها في اختبار عسير؛ فمن ناحية، كان هناك خوف من الهجوم الأمريكي على أفغانستان، ومن ناحية أخرى، كان تسليم المسلمين الذين لجأوا إلى البلاد يتعارض مع التعاليم الدينية والغيرة الإسلامية. لهذا السبب، عقدت الإمارة الإسلامية اجتماعاً موسعاً للعلماء والمفكرين المسلمين في كابول، واستشارتهم بشأن الظروف المستجدة، وبعد أيام من الدراسة والتحليل للقضية، توصل العلماء إلى القرار النهائي، وطلبوا من الولايات المتحدة عدم مهاجمة أفغانستان، كما دعوا الإمارة الإسلامية إلى بذل قصارى جهدها لحل الموضوع سلمياً، وأصدروا فتوى تفيد بأنه في حال قامت الولايات المتحدة بمهاجمة أفغانستان، فإن الجهاد ضدها «فرض عين».
على الرغم من ذلك، كانت الولايات المتحدة قد أتمت استعداداتها للهجوم على أفغانستان، وركزت كل جهودها على بدء الحرب. بل إنها استعانت بالمساعدة العملية والاستخباراتية من الدول الأعضاء في حلف الناتو ومنطقة الشرق الأوسط. كما استقطبت العديد من الشخصيات القبائلية المؤثرة، والمرتزقة، وقادة الحرب، والتيارات الداخلية في أفغانستان.
وأخيراً، في السابع من أكتوبر عام 2001م، الموافق للخامس عشر من شهر ميزان عام 1380هـ.ش.، شنت الولايات المتحدة هجومها على أفغانستان. في الليلة الأولى للهجوم، استهدفت القوات الأمريكية 31 هدفاً مختلفاً في مدن أفغانية متعددة باستخدام صواريخ كروز، وقاذفات القنابل، والطائرات التي تحمل قنابل موجهة بدقة. كان أول هجوم على مطار قندهار ونظام الدفاع الجوي، ولم يسفر عن خسائر بشرية. ثم تم استهداف منزل الملا محمد عمر المجاهد، زعيم الإمارة الإسلامية الأفغانية، مما أدى إلى استشهاد بعض أفراد أسرته. وبالمثل، توسعت الهجمات الأمريكية، ودمرت مختلف الأنظمة الكهربائية والرادارية، والمرافق العامة والوطنية، وخطوط القتال والدفاع.
وأخيراً، تم استخدام القنبلة الكيماوية للقضاء على المجاهدين. هذا الوضع دفع المجاهدين تدريجياً إلى الانسحاب من المدن والولايات، والتحول من حرب الجبهات إلى حرب العصابات. أثناء الانسحاب، وقعت مشاهد مؤلمة لجهاد وصمود الشعب الأفغاني، وكذلك خيانة المرتزقة والجنرالات المعينين من قبل الولايات المتحدة. وقد استشهد العديد من المجاهدين بسبب قسوة وخيانة المرتزقة.
بدء انسحاب مجاهدي الإمارة الإسلامية من الولایات
في البداية، ترك المجاهدون مدينة بلخ، وشبرغان، ومدناً أخرى في الشمال. ثم انسحبوا من هرات، وكابول، وجلال آباد، وغزنة، وغرديز، ومدن أخرى. بعد عدة أسابيع، لم يبق سوى قندوز والمناطق المركزية لمقاطعة قندهار تحت سيطرة الإمارة الإسلامية.
في قندوز، كان آلاف المجاهدين محاصرين، وكانت الطائرات الأمريكية تقصفهم من الأعلى، بينما كانت قوات حلفاء أمريكا، الذين كانوا تحت إمرة جنرالات مرتزقة وخونة للاحتلال، تهاجمهم من الأرض. هذه الهجمات، بالإضافة إلى المجاهدين، سببت خسائر وأضراراً فادحة لسكان قندوز العاديين أيضاً. هذا الوضع دفع المجاهدين إلى قبول التفاوض مع دوستم، الجنرال المرتزق للاحتلال. تعهد دوستم وغيره من المعارضين في ذلك الوقت للمجاهدين بأنه إذا سلموا أسلحتهم، فسيمهّلونهم الطريق للعودة إلى ديارهم. لكنهم خانوا المجاهدين، وقاموا بخنقهم في حاويات مغلقة، وقتل من نجا منهم، أو ألقى بهم في سجون مظلمة.
في قندهار أيضاً، قاوم المجاهدون المحتلين لأيام طويلة. ولكن عندما نشأ خطر تدمير المدينة بأكملها، انسحب المجاهدون. كانت قيادة هذه المعركة بيد الملا محمد عمر المجاهد شخصياً، وكان هو آخر من غادر قندهار وتوجه إلى مقاطعة زابل، وظل مشغولاً بالأنشطة الجهادية في تلك المنطقة حتى لحظة وفاته.
بهذه الطريقة، احتلت الولايات المتحدة وعملاؤها مدن أفغانستان بالكامل، وأعلن وزير الدفاع الأمريكي، “دونالد رامسفيلد”، عن انتصاره.
بعد اكتمال احتلال أفغانستان من قبل الولايات المتحدة، اجتمع عملاء هذه الدولة والمرتزقة، وعرّف كل منهم نفسه بأنه المخلص الأكثر ولاء للمحتلين، سعياً وراء الحصول على منصب ومقعد والمشاركة في مستقبل أفغانستان السياسي.
لهذا السبب، تم تهيئة الأجواء لعقد مؤتمر كبير لاتخاذ قرار بشأن طريقة الحكم ومستقبل أفغانستان السياسي. وفي مدينة بون الألمانية، اجتمع جميع السياسيين والعملاء المحليين، ووافقوا على تشكيل حكومة تحظى بتأييد المحتلين.
مؤتمر بون وإضفاء الشرعية على احتلال أفغانستان
في ديسمبر عام 2001م.، وبعد تسعة أيام من النقاش والمشاجرات، اتفق المشاركون في مؤتمر بون على بقاء القوات الدولية في أفغانستان، وتكريسها لتدريب وتجهيز وتدريب قوات الحكومة العميلة. لم يتم تحديد أي قيد زمني لبقائهم في أفغانستان، بل ربطوه بالحاجة والأولوية في أفغانستان. تم تأكيد حكومة جديدة برئاسة مؤقتة لـ «حامد كرزاي»، تتألف من مجلس وزراء يضم ثلاثين مقعداً، تم توزيع هذه المقاعد بين أمراء الحرب وقادة الجهاد الذين اعتبروا أنفسهم ممثلين للشعوب الأفغانية.
صرح المشاركون بوضوح أن الحكومة المستقبلية ستقوم على أساس«الديمقراطية» و«التعددية الاجتماعية». كما أقروا الحريات الاجتماعية وحقوق الإنسان بالنهج الغربي، وبخلاف التعاليم الإسلامية. من أجل نشر الفساد الأخلاقي الذي يخدم المجتمع الغربي، تمت الموافقة على«وزارة شؤون المرأة» ومناقشة حقوق المرأة. وطُلب من الأمم المتحدة الموافقة على وجود القوات الدولية في أفغانستان.
تم السماح للأمم المتحدة بالتدخل إذا تم انتهاك حقوق الإنسان، وفقاً لما هو مقبول لديهم، والتحقيق في هذه القضايا.
هذا المؤتمر ألقى بظلاله على جميع القطاعات العسكرية والسياسية في أفغانستان، وتم تصميم وتوقع جميع الأنظمة الإدارية والقضائية والعدلية والدفاعية والاجتماعية وفقاً للنموذج الغربي والدولي. اعتقد المشاركون في هذا المؤتمر، من وجهة نظرهم، أنهم مهدوا الطريق لحكمهم، واعتبروا هذا الاجتماع ونتائجه نهاية المعضلة السياسية في أفغانستان. لكن مرور الزمن والفساد الإداري والأخلاقي والسياسي والاجتماعي، وكذلك الصراعات السياسية لقادة الحكومة العميلة الفاسدين، كشف عن حقيقة أن مؤتمر بون ونتائجه لم تكن ناجحة أبداً.