
الكاتب: عبید الله النیمروزي
سيرة عمر بن عبد العزيز رحمه الله
(الجزء السادس)
القرن الأول للإسلام وخلافة عمر بن عبد العزيز رحمه الله
في الجزء الأول من هذا البحث، تم تقديم الشرح اللازم بأن القادة والزعماء الحقيقيين للبشرية بعد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، هم حكّام المسلمين، الذين لمعوا كنجوم ساطعة في مختلف مجالات السياسة والحكم، وفي هذا الجزء، سنستعرض فترة حكم بني أمية، ونتناول باختصار سيرة أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رحمه الله، كمثال يمثل الكل، إن شاء الله تعالى.
الانحرافات الجاهلية في عهد بني أمية
إن نهاية الخلافة الراشدة واستقرار دولة بني أمية، التي كانت أقرب إلى الطابع العربي منها إلى الإسلامي، أوجب ضرورة إحداث ثورة وتجديد عاجل لأحكام الإسلام، فقد بعثت الانحرافات الجاهلية القديمة من جديد بين العرب المسلمين من الجيل الجديد، وهي الانحرافات التي كانت قد دُفنت بفضل توجيه وتربية الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وجهود الخلفاء الراشدين. لم تكن الحاكميّة قائمة على الكتاب والسنة، بل كانت أنظمة الحكم تُدار بالسياسة العربية، والمصالح القومية، والتفاخر بالأنساب، والتعصّب القبلي. لقد أصبح الغرور القبلي، ومناصرة العشائر، وتولية الأقارب، التي كانت في زمن الخلافة الراشدة منقصة وإثمًا عظيمًا، أمورًا رائجة في هذا العصر، وصار المدح والتملّق وحبّ الجاه بديلًا عن الأجر والثواب الإلهي، ومحركًا للأعمال والأخلاق.
أصبح بيت المال، الذي هو مجموع أموال وثروات المسلمين، ملكًا شخصيًا وأملاكًا سلطانية، وظهرت جماعات من الشعراء والمتملقين في البلاط، والندماء المأجورين، الذين تخصص لهم أموال المسلمين وبيت المال، وكان يُتغافل عن سلوكهم المنحرف وأخلاقهم الفاسدة.
جاء الشاعر المعروف في العصر الأموي «الأحظل المسيحي» المولود سنة ٥٩ هـ، إلى بلاط الخليفة عبد الملك بن مروان وعلى عنقه صليب من الذهب، وكان النبيذ يقطر من لحيته، ولم يجرؤ أحد على إنكاره أو توبيخه.
وانتشرت بين الناس رغبة الاستماع إلى الأغاني الفاحشة، وعمّت ثقافة تعليم الموسيقى، ومن شدة هذا التأثير، أن المغني المعروف في العراق المسمى «حنين» دُعي من قبل أقرانه إلى المدينة، فغنّى للناس وعزف لهم، وكان الحضور كثيفًا لدرجة أن سقف المجلس انهار عليهم، ودُفن حنين تحت الأنقاض.
أدّت هذه الأساليب المنحرفة للحكومة والحياة اللادينية لأهل الحكم إلى وقوع المجتمع في شقاء كبير، وظهرت جماعة جديدة من «المنحرفين والمفسدين» الذين كانت أخلاقهم مشابهة للمفسدين في الجاهلية الأولى، وكأنّ الجاهلية المجروحة قد عادت لتنتقم من خصمها الذي غلبها، وتريد أن تسترجع في يوم واحد ما خسرته في أربعين عامًا.
يتبع…