الکاتب: أبو عائشة
البعث بعد الموت
(الجزء العاشر)
دليل الحكمة الإلهية
اقتضت حكمةُ الله تعالى أن يَخلُق الإنسان متميّزًا عن سائر المخلوقات في خَلقه وأخلاقه وبنيته، نظرًا للغاية السامية والرسالة العظيمة التي ينبغي له أن يحققها في هذه الدنيا. ولذلك فإن إرادةَ الله تعالى من خلق هذا العالم هي أن يكون دارَ عملٍ وامتحانٍ للإنسان، ليُجزى بعد ذلك الجزاءَ الكامل على أعماله في دار الجزا[1]ء.
ونحن جميعًا نعلم ونوقن أن الله تعالى حكيم، وأن جميع أفعاله قائمة على الحكمة والمصلحة. فإذا رأينا أن الظالمين الطغاة لا يُعاقَبون في هذه الدنيا، بل يعيشون فيها بكِبر وغرور، فلا ينبغي أن نظن أن الأمر ينتهي عند هذا الحد، بل سيأتي يومٌ لا محالة يُجازَون فيه على كل ما اقترفوه من أعمال وسلوكيات.
والآن نطرح في هذا السياق عدة أسئلة مهمة لنصل إلى حقيقة المسألة:
إذا لم يكن هناك عالمٌ آخر ولا بعث ولا معاد، فكيف يمكن تفسير حال أولئك الظالمين الذين يسفكون دماء الناس ويتلذذون بذلك، ومع ذلك لا يلاقون في هذه الدنيا أي عناء أو مشقة؟
وإذا لم يكن هناك بعثٌ بعد الموت ولا معاد، فعلى أي شيءٍ يتعزّى المظلومون الذين سُلبت حقوقهم؟ وإلى من يشكون آلامهم، وهم الذين عانَوا سنواتٍ طويلة من ظلم الحكّام المستبدين والطغاة؟
وإذا لم يُجازَ الظالم والمظلوم لا في هذه الدنيا ولا في الآخرة، فهل يمكن حينئذٍ القول بوجود حكمةٍ وعدل؟ مع أننا على يقينٍ تام بأن ربنا عادلٌ حكيم.
آيات في الحكمة الإلهية
قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾[2]
يُستفاد من هذه الآية أن التفكّر في الخلق والإيمان بعدم عبثيته يقود حتمًا إلى الإيمان بالمعاد والثواب والعقاب؛ إذ إن المؤمنين الصادقين، بعد إدراكهم أن هذا الوجود ليس لهوًا ولا عبثًا، بل قائمٌ على حكمةٍ دقيقة، يسارعون إلى الدعاء وطلب النجاة من عذاب يوم القيامة.
وقال ربّ العالمين: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾
إن التفكّر في خلق السماوات والأرض، والتأمل في أن لكل موجود في هذا العالم أجلًا ونهاية، يهدينا إلى ضرورة الإيمان بالمعاد؛ إذ لولا ذلك لكان هذا النظام الكوني العظيم عبثًا ولغوًا.
وقال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾
وقال سبحانه: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾
في هذه الآية يُطرَح سؤالٌ إنكاري حول عبثية الخلق، وهذا يدل على أن القول بعبثية الوجود وإنكار المعاد ليس إلا وهمًا باطلًا، وأن ساحةَ الله تعالى منزهة عن ذلك. وفي مقابل هذا الوهم، كان الكفار والمشركون المنكرون للبعث يقولون: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَىٰ وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ﴾
وقال الله تعالى:﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾
إن مضمون هذه الآيات جميعًا يمكن أن يُشكّل برهانًا عقليًا سليمًا على ضرورة المعاد، وفي ذلك عبرة عظيمة لأولي العقول وأصحاب الفكر.
يتبع…
جزء السابق | جزء التالی
[1] رمضان، منظور بن محمد بن محمد، منهج القرآن الکریم فی إثبات عقیدة البعث بعد الموت، بلا تاريخ، ص ۱۳۱-۱۳۲
[2] سورة آل عمران:۱۹

