الكاتب: أبوعائشة

البعث بعد الموت (الجزء التاسع)

 

التمهيد:
ولما كان منكرو المعاد ومن يسيرون في هذا الاتجاه يعتمدون دائماً على الأدلة العقلية، وينكرون هذه القضية العظيمة بعقولهم؛ فرأينا من الواجب، بعد بيان الأدلة القرآنية وأحاديث الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وأقوال العلماء، أن نتناول في هذا الجزء الأدلة العقلية والبراهين المسلَّمة عند كل ذي عقل سليم، ولا يشك فيها أحد، حتى نثبت من خلالها مسألة البعث بعد الموت، وليدرك العقلاء أن ما نريد إثباته يُدرك بالعقل أيضاً، وليس بعيدًا عن العقل، فإن كنتم تريدون الوصول إلى الحقيقة فعليكم بالتفكر والتعقل، والتنبه إلى هذه القضية الحساسة.
العقل السليم والفطرة السليمة يدركان المعاد
إن الله تعالى خلق الإنسان ومنحه العقل الذي يميز به بين الحق والباطل، والخير والشر. وبما أن الإنسان يملك القدرة والاختيار ليفعل ما يشاء، فإن الحكمة الإلهية تقتضي أن يُكلَّف الإنسان باستعمال ما أُمر به مما فيه الخير والصلاح والحق، وأن يُشجَّع ويُرغَّب في ذلك، وأن يُنهى ويُحذَّر من كل ما هو باطل. ومن المعلوم أن الترغيب والترهيب والتشجيع لا يكون إلا بالجزاء والثواب والعقاب، وهذه الأمور لا تتحقق في الدنيا على وجه الكمال، بل نادراً وقليلاً؛ فاقتضت الحكمة الإلهية أن تكون في الآخرة دارٌ أخرى ينال فيها الإنسان حقه كاملاً، وإلا لكان في ذلك قدحٌ في العدل والحكمة الإلهية، ولتعطل الوعد والوعيد، وهو أمرٌ يتنزه الله تعالى ويتعالى عنه.[١]
ثم و إن كان المعاد يثبت من طريق الوحي إلا أن لا ننسى أن العقل السليم والفطرة النقيّة يؤيدان ذلك أيضًا، لأن العقل بالتأمل في نظام الكون، والعدل الإلهي، وغاية الخلق وغيرها، يدرك جليّا بأن الموت ليس نهاية مسير الإنسان وإنما ظهرت الدار الحقيقية للإنسان بعد موته فيرى جزاء جميع الحسنات أو عقاب جميع السيئات. سنسعى لبيان بعض من أهم البراهين والأدلة العقلية لإثبات المعاد:
برهان العدل الإلهي:
إن المعاد لازمٌ من لوازم العدل الإلهي، والعدل صفةٌ من صفات ربّ العالمين. فالله تعالى عادلٌ لا يساوي أبداً بين المحسنين والمسيئين؛ ولذلك وعد سبحانه أن يُوصل كلَّ إنسان إلى ما يستحقه، وألا يضيع حقُّ أحد، غير أنّ حياة الإنسان في الدنيا على نحوٍ لا تتحقق فيه هذه الوعود على وجه الكمال؛ إذ لا ينال جميع الناس جزاء أعمالهم أو عقابها كاملاً في هذه الحياة، لأن بعض الجرائم من العِظَم بحيث لا يمكن في هذه الدنيا تحديد جزاءٍ أو عقوبةٍ توازيها، ولأن هذا العالم لا يَسَع الثواب الكامل للإنسان. فلو لم تكن هناك دارٌ أخرى يُجازى فيها الظالم بعقابه الحقيقي ويُستوفى فيها حقّ المظلوم، للزم — نعوذ بالله — الطعن في نظام عدل الله تعالى. ولبيان ضرورة المعاد من طريق العدل الإلهي، لا بدّ أولاً من ذكر بعض آيات القرآن الكريم في هذا الشأن، ثم الانتقال بعد ذلك إلى عرض الاستدلال العقلي عليها.
قال الله جلّ جلاله: «أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ»[٢]
يقول الله تعالى في آيات أخر: «وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُون إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لَارَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ»[٣]
يقول ربّ العالمين في آيات أخر: «أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ»[٤]
يقول الله تعالى: «أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ»[٥]
فبناءً على الأدلة العقلية والنقلية ثبت أن الله تعالى عادلٌ ولا يظلم أبداً، كما قال سبحانه:«وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا»[٦]
وعليه، فلو لم يكن هناك عالمٌ آخر لكان ذلك منافياً للعدل الإلهي؛ لأن هذا العالم ليس محلاً لتحقق الثواب والعقاب على وجه الكمال، ومن جهةٍ أخرى فإن العدل الإلهي يقتضي التفريق بين الصالحين والفاجرين، وأن ينال كلٌّ منهم نتيجة أعماله خيراً أو شراً، فلا بدّ أن يحيي الله تعالى الناس في عالمٍ آخر بعد الموت ليجازيهم بالثواب أو العقاب.[٧]
وبناءً على الآيات المتقدمة، فإن الرؤية القرآنية تؤكد أن عباد الله الصالحين والمؤمنين لا يستوون أبداً مع المجرمين والعصاة، بل إن الفئة الأولى أرفع منزلةً وأعلى مقاماً، وتنعم بمراتب ونعيم أعظم وأفضل.
وهنا يطرح السؤال: أين تتحقق هذه المراتب والفضائل؟ أفي هذا العالم أم في عالمٍ آخر؟
وبالتأمل في أحوال هذا العالم يتضح بجلاء أنه من حيث الراحة والنعيم والانتفاع بنعم الله، لا يكون الكفار والفجرة في مرتبة أدنى من المسلمين والمؤمنين، بل غالباً ما تكون أحوالهم مساويةً أو أفضل من أحوال المسلمين، وفي كثير من الشؤون تكون لهم الغلبة والسيطرة على أهل الإسلام والإيمان. وبناءً على ذلك يتضح أن هذا العالم ليس محلاً لتحقيق تلك الوعود القرآنية، فلا بدّ من وجود عالمٍ آخر غير هذا العالم، تتحقق فيه وعود الله تعالى، ويُعطى المؤمنون ثوابهم الحقيقي، ويعاقب الفاسقون والفجرة عقابهم العادل. [٨]
يتبع…

الجزء السابق | الجزء التالي

[١]. الذیب، نجاة بنت موسی، العقل مکانته ودلالته الشرعیة علی الأصول الاعتقادیة، المملکة العربیة السعودیة- ریاض، بی تا، ص ٤٨.
[٢]. ص /: ٢٨.
[٣]. الغافر /: ٥٨- ٥٩.
[٤]. الجاثية/:٢١ – ٢٢.
[٥]. القلم/: ٣٥ – ٣٦.
[٦]. الكهف/: ٤٩.
[٧]. المكي، د. مجد، مجموعة كاملة من عقائد أهل السنّة، ترجمة: فيض محمد بلوش، ١٣٩٤ هـ.ش، ج ٢، ص ٦٦١.
[٨]. المكي، د. مجد، مجموعة كاملة من عقائد أهل السنّة، ترجمة: فيض محمد بلوش، ١٣٩٤ هـ.ش، ج ٢، ص ٦٦٠.
شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version