لقد هاجم الاتحاد السوفياتي، بجيشه المزود بأحدث الأسلحة، أفغانستان بهدف تمهيد الأرض لوجوده طويل الأمد، ولفرض استعمار واحتلال دائم ومستمر لهذه البلاد. لقد استخدموا كل أداة ووسيلة لبقائهم واستمرارهم، وبطريقة ما، كانت أدواتهم وآلاتهم الحربية والعسكرية تستخدم لتحقيق الهدف والنتيجة التي يحتاجونها.
وبشعار «لغاية تبرر الوسيلة»، ارتكبوا كل جريمة، وقتل، ومجازر، وتشريد، متجاوزين بذلك نطاق الأهداف العسكرية والإنسانية.
في هذا العدوان، فقد أكثر من مليون أفغاني أرواحهم بطرق مختلفة. كما هاجر خمسة ملايين أفغاني (ثلث سكان أفغانستان) إلى إيران وباكستان، مما كان بمثابة بداية الهجرة الواسعة للأفغان وتهجيرهم. في الثمانينيات، كان واحد من كل مهاجرين اثنين في العالم أفغانياً.
بالإضافة إلى القتلى، أصيب مليون ومائتا ألف أفغاني آخرون، من بينهم المجاهدون المناهضون للروس، وجنود الحكومة، والمدنيون، بجراح وإعاقات في المعارك، ليصل مجموع الجرحى والقتلى الأفغان إلى أكثر من ثلاثة ملايين.
من بين الآثار المشؤومة الأخرى لعدوان وجرائم الاتحاد السوفياتي السابق على أفغانستان، كان تدمير الأراضي الزراعية والرعوية الأفغانية. ففي عام ۱۹۸۵م، دُمر أكثر من نصف الأراضي الزراعية الأفغانية، التي كانت المصدر الرئيسي والأساسي لدخل الناس ومعيشتهم، وكذلك شبكات وأنظمة الري الزراعي، نتيجة القصف أو التخريب المتعمد من قبل الروس.
إضافة إلى الجرائم المذكورة، وفيما يتعلق بانتزاع السكينة والأمن من أراضي أفغانستان وشعبها، قامت الروس وقوات جيش أفغانستان آنذاك بوضع ما بين عشرة إلى خمسة عشر مليون لغم على الأرض، ولا تزال تشكل خطراً كبيراً على أفغانستان حتى يومنا هذا، حيث إنها تعرض حياة الأطفال والنساء وعموم الناس لخطر جسيم من وقت لآخر بسبب انفجارها.
انتفاضة الشعب الأفغاني المجاهد ضد العدوان السوفياتي
ثارت الشعوب الأفغانية المجاهدة بتشكيل مجموعات وحركات جهادية مختلفة في أقصى أنحاء البلاد، ضد الغزو السوفياتي، وتمكنوا بعزيمتهم وجهودهم التي لا تُحصى من تحرير بلادهم من براثن المعتدين.
إن القتال والصمود في وجه القوة العظمى في ذلك الزمان، أو بعبارة أخرى، الإمبراطورية الكبرى الشرقية، هو صفحة ذهبية في تاريخ ملاحم شعب أفغانستان؛ ملحمة دافع فيها الشعب الأفغاني بأظافره وأسنانه عن كل شبر من تراب الوطن، ورسموا بأربعمائة ألف صدر ممزق وشريان قلب نازف حروف الأبجدية للعزة والغيرة والحرية.
إن مقاومة الشعب الأفغاني المسلم ضد جمهوريات الاتحاد السوفياتي، التي كانت القوة العظمى الشرقية وثاني قوة في العالم آنذاك، أوجدت مشاهد من الإيثار والبسالة لم يشهد لها مثيل أو يسمع بها القليل.
إن معركة المجاهدين المسلمين الشجعان في أفغانستان ضد الإمبراطورية الشرقية العظيمة هي حكاية ستبقى خالدة بلا شك في تاريخ المسلمين والعالم.
استمرت هذه الحرب لتسعة أعوام وشهرين، وخلال هذه الفترة، قاتل الرجال والنساء الأفغان في أصعب الظروف، بين الجبال وفي ذروة الحر والبرد، والأصعب من ذلك أنهم لم يكونوا يقاتلون الروس فحسب، بل كانت الحكومة المركزية أيضاً تقف ضدهم.
تولت الأحزاب والحركات الإسلامية زمام الانتفاضة الجهادية للشعب الأفغاني بدعم وتشجيع من بعض الدول الإسلامية والإقليمية، وقادت الحركة الجهادية بتوجيهها.
الأحزاب مثل «جمعية علماء أفغانستان»، و«الاتحاد الإسلامي»، و«الحزب الإسلامي»، و«حزب الوحدة الإسلامية الأفغاني»، و«الحركة الإسلامية»، و«حزب الدعوة الإسلامية»، و«الجبهة الوطنية الأفغانية»، وغيرها؛ كل منها كانت تتألف من عرقیات ومذاهب أفغانية مختلفة، لكنها كانت تقاتل بهدف واحد وهو محاربة الاحتلال السوفياتي، وتمكنت من قيادة وتوجيه المجاهدين في الشؤون الجهادية، وهزيمة الاتحاد السوفياتي وأعوانه، وتمهيد الطريق لإنهاء الاحتلال.
إلى جانب الشعب الأفغاني المجاهد والأحزاب الإسلامية الأفغانية، هاجر العديد من المجاهدين العرب المسلمين إلى أفغانستان وشاركوا إخوانهم الأفغان في القتال والجهاد ضد المعتدين السوفيات. لقد سارعوا لمساعدة إخوانهم في أفغانستان بدافع وعقيدة دينية وجهادية عالية، وأشهرهم كان الشيخ الشهيد الفلسطيني «عبد الله عزام» الذي أمضى سنوات في الجهاد في أفغانستان وأعطى روحاً جديدة للانضباط في الروح الجهادية للشعب الأفغاني.
إلى جانب أنشطته الجهادية ومشاركته في الميادين الجهادية، كان نشطاً في الشؤون الثقافية والكتابية الجهادية، وقام بجمع التضحيات والكرامات التي ظهرت من المجاهدين الأفغان أثناء جهادهم ضد السوفيات في كتاب أسماه «آيات الرحمان في جهاد الأفغان»، ووضعه تحت تصرف العامة.
بالإضافة إلى الأحزاب الإسلامية التي حاربت السوفيات، رفع العديد من طلاب المدارس والجامعات رآية الجهاد مع بدء العام الدراسي، وتحولت قاعات الدراسة في الجامعات إلى ميادين للحركات الجهادية وقيادتها وتوجيهها.
هزيمة الاتحاد السوفياتي وانسحابه من أفغانستان
تزايدت الانتفاضات الشعبية في جميع أنحاء أفغانستان يوماً بعد يوم، وأصبحت الجماعات الجهادية أكثر تنظيماً، وتوجهت ضربات قوية إلى جسد قوات الاحتلال السوفياتي وعملائهم الداخليين.
بعد وفاة «بريجنيف»، الرئيس الذي تم بعهدِه الهجوم على أفغانستان، تولى «غورباتشوف» زمام الحكم في الاتحاد السوفياتي. وبما أن حكومته كانت قد تكبدت خسائر فادحة في أفغانستان، وبما أن الانسحاب كان يمثل تراجعاً لمكانتهم وسمعتهم في المحافل العامة والدولية وبين الدول التابعة للنظام الرأسمالي، فقد فكر في حيلة لحل هذه الأزمة والخروج من هذا المأزق الكبير، وبوساطة من الأمم المتحدة، تم تنظيم اتفاقية رباعية في جنيف بتاريخ ۱۴ أبريل ۱۹۸۸م بين روسيا، وأمريكا، وكابل، وإسلام آباد، وبموجب بنودها، ينسحب الجيش الروسي سلمياً من أفغانستان خلال مدة تسعة أشهر.
أخيراً، اضطر الجيش السوفياتي المعتدي إلى الانسحاب المهين من أفغانستان في ۲۶ دلو ۱۳۶۷ هش. الموافق ۱۵ فبراير ۱۹۸۹م. وكان هذا الجرح سبباً في تفكك الاتحاد السوفياتي السابق.
وبهذا، انتهت المرحلة الثانية من احتلال أفغانستان من قبل إحدى القوى العظمى في العالم، وسُجلت صفحة ذهبية أخرى من بطولات وتضحيات الشعب الأفغاني.