الكاتب: أبوعائشه

البعث بعد الموت

الجزء السادس

التمهيد:
بعد دراسة مكانة الإيمان بالمعاد في آيات القرآن الكريم، يصبح من الضروري ـ استكمالًا للبحث والتحقيق ـ تناول المعاد في ضوء سُنّة النبي صلى الله عليه وسلم وأقوال العلماء أيضًا؛ إذ تُعَدّ سنّة النبي صلى الله عليه وسلم إلى جانب القرآن الكريم المصدرَ الثاني الأساس والمهم في الإسلام. وتؤدي أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم دورًا كبيرًا في تفسير وبيان التعاليم القرآنية، كما أن فهمَ كثير من الآيات متوقفٌ على فهم أحاديثه صلى الله عليه وسلم. وفي هذا الجزء من البحث نسعى، بالاعتماد على أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وأقوال العلماء الأفاضل الكبار، إلى تقديم صورةٍ أوضح وأجلى عن الإيمان بالمعاد في الإسلام، وبيان دوره في هداية الإنسان ورسم معالم مسار الحياة الأخروية.
المعاد في ضوء الأحاديث:
لما كان الإيمان بالمعاد من أُسُس العقيدة وأهمّ معتقداتها في الإسلام، كان لزامًا بيانُ هذا الإيمان في ضوء أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وإثباتُ حقيقته. وقد ثبت وجودُ المعاد بأحاديثَ كثيرةٍ عن النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم، نذكر منها فيما يلي بعضَ النماذج:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى‌اللَّهُ‌عَلَيْهِ‌وَسَلَّمَ قَالَ: «يَجْمَعُ اللَّهُ النَّاسَ يَوْمَ القِيَامَةِ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ يَطَّلِعُ عَلَيْهِمْ رَبُّ العَالَمِينَ، فَيَقُولُ: أَلاَ يَتْبَعُ كُلُّ إِنْسَانٍ مَا كَانُوا يَعْبُدُونَ، فَيُمَثَّلُ لِصَاحِبِ الصَّلِيبِ صَلِيبُهُ، وَلِصَاحِبِ التَّصَاوِيرِ تَصَاوِيرُهُ، وَلِصَاحِبِ النَّارِ نَارُهُ، فَيَتْبَعُونَ مَا كَانُوا يَعْبُدُونَ، وَيَبْقَى الْمُسْلِمُونَ فَيَطَّلِعُ عَلَيْهِمْ رَبُّ العَالَمِين».[۱]
يُفهم من هذا الحديث بوضوحٍ أنَّ ربَّ العالمين يجمع يوم القيامة جميع الناس في ساحةٍ واحدةٍ واسعةٍ مستوية، ويحاسبهم على أعمالهم وسلوكهم وأفعالهم، ويطالبهم بالجواب عن أعمالهم الدنيوية، ويُعامَل كلُّ إنسانٍ بما كان يعمل في الدنيا، فالمسلمون الذين أحسنوا في هذه الدنيا واشتغلوا بعبادة الله تعالى ينالون نعمةَ رؤيةِ ربِّ العالمين، وهي من أعظم النِّعَم في الآخرة بعد البعث من الموت.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى‌اللَّهُ‌عَلَيْهِ‌وَسَلَّمَ، قَالَ: «قَالَ رَجُلٌ لَمْ يَعْمَلْ حَسَنَةً قَطُّ، لِأَهْلِهِ: إِذَا مَاتَ فَحَرِّقُوهُ، ثُمَّ اذْرُوا نِصْفَهُ فِي الْبَرِّ وَنِصْفَهُ فِي الْبَحْرِ، فَوَاللهِ لَئِنْ قَدَرَ اللهُ عَلَيْهِ لَيُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا لَا يُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ، فَلَمَّا مَاتَ الرَّجُلُ فَعَلُوا مَا أَمَرَهُمْ، فَأَمَرَ اللهُ الْبَرَّ فَجَمَعَ مَا فِيهِ، وَأَمَرَ الْبَحْرَ فَجَمَعَ مَا فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: لِمَ فَعَلْتَ هَذَا؟ قَالَ: مِنْ خَشْيَتِكَ، يَا رَبِّ وَأَنْتَ أَعْلَمُ، فَغَفَرَ اللهُ لَه».[٢]
يُبيِّن هذا الحديث بوضوحٍ تامٍّ أنَّ رجوعَ العباد إلى الله تعالى حقٌّ، وأنَّه لا يخفى على الله تعالى شيءٌ صغيرٌ ولا كبيرٌ، وأنَّ الله تبارك وتعالى قادرٌ على كلِّ شيء، ويؤاخذ من يشاء كيفما يشاء، ولو صارت ذرّاتُ وجوده رمادًا وتفرَّقت في الهواء
عَن عليّ رَضي‌اللهُ‌عنهُ أنّ النبيّ صَلَّى‌اللَّهُ‌عَلَيْهِ‌وَسَلَّمَ قال: «لا يؤمن عبد حتى يؤمن بأربع: یشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله بعثنی بالحق، ویؤمن بالموت، وبالبعث بعد الموت، ویؤمن بالقدر.[٣]«
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ‌اللَّهُ‌عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى‌اللَّهُ‌عَلَيْهِ‌وَسَلَّمَ: «ما بین النفختین أربعون، قالوا يا أبا هريرة! أربعون يوما؟ قال: أبيت. قالوا: أربعون شهرا؟ قال: أبيت. قالوا: أربعون سنة؟ قال: أبيت. ثم ينزل الله من السماء ماء فينبتون كما ينبت البقل، قال وليس من الإنسان شيء إلا يبلى إلا عظما واحدا وهو عجب الذنب، ومنه يركب الخلق يوم القيامة.».[٤]
عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ‌اللَّهُ‌عَنْهُا عَنِ النَّبِىِّ صَلَّى‌اللَّهُ‌عَلَيْهِ‌وَسَلَّمَ قَالَ «إِنَّكُمْ تُحْشَرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلا. قَالَتْ عَائِشَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالَ: يَا عَائِشَةُ إِنَّ الأَمْرَ أَشَدُّ مِنْ أَنْ يُهِمَّهُمْ ذَلِك».[٥]
يتبع…
الجزء السابق | الجزء التالي
 
 .[۱]الترمذي، محمد بن عیسی، سنن الترمذي، ج ٤، ص ٢٧٢، رقم الحدیث:٢٥٥٧.
 .[٢]النیشابوري، أبو حسین، مسلم بن حجاج، صحيح مسلم ج ٤، ص٢١٠٩، باب في سعة رحمة الله، رقم الحدیث: ٢٤، دارالجیل- بیروت.
 .[٣]الترمذي، محمد بن عیسی، سنن الترمذي، باب ماجاء فِی الإیمان بالقدر خیره، ج ٤، ٢٠، رقم الحدیث:٢١٤٥.
 .[٤]البخاري، محمد بن اسماعیل، صحيح البخاري، باب يوم ينفخ في الصور فتاتون أفواجًا، ج ٦، ص ١٦٤، رقم حدیث:٤٩٣٥.
 .[٥]أحمد بن حنبل، مسند أحمد ج ٥٣، ص ١٠٦، رقم الحدیث:٢٤٩٩٧، مؤسسة الرسالة.تحقیق شیخ شعیب الأرنووط.
شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version