
الكاتب: عبید الله النیمروزي
سيرة السلطان صلاح الدين الأيوبي رحمه الله
(الجزء الأول)
الكلمات الرئيسية: الأیوبي، صلاح الدین، فلسطین.
الخلاصة:
إن السلطان صلاح الدين الأيوبي رحمه الله من مفاخر الأمة الإسلامية، وكان من سلالة القوم الكُردي الشريف، ومن المتأثرين بمدرسة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم. اسمه الأصلي «يوسف»، ولقبه «صلاح الدين»، واسم والده الكريم «نجم الدين أيوب»، وقد اشتهر مع مرور الزمن باسم صلاح الدين الأيوبي، وفي الحقيقة، أصبح صلاح الدين الأيوبي، ببركة صفاء ضميره، ونبالة طبعه، واهتمام والده الخاص بتربيته، قائدًا حكيمًا نبيلًا.
كان صلاح الدين الأيوبي في البداية قائدا لجيش نور الدين الزنكي، وبعد مدة، وببركة صحبته وتربيته الهادفة على يد نور الدين الزنكي، أصبح سلطانًا وملكًا، ويكفي في سجلّ صلاح الدين الأيوبي المشرق رحمه الله، أنه استطاع أن يهزم إمبراطوريات كبرى مثل الصليبيين واليهود والفاطميين، وأن يفتح فلسطين ويحرّرها.
والواقع أن البحث والتحدث عن أعلام التاريخ، وقياداتنا الجهادية، وفرساننا و… يعد من أحلى وأطيب الذكريات؛ لأنهم شموس الهداية في سماء الإنسانية، ومنارات مشرقة في الأبحار المظلمة، وليس صلاح الدين إلا من هؤلاء الرجال الكبار الأبطال الذين جمعوا الناس حول الإسلام، ورفعوا رأية الوحدة في سماء الأراضي الإسلامية، وحرّروا مدن الإسلام من قبضة الأعداء الغاصبين والمستعمرين الكافرين، وكتبوا في سجلّ التاريخ آيات من النصر وذكريات خالدة.
ولعلّ بعضهم يسأل: لماذا اخترت سيرة السلطان صلاح الدين الأيوبي موضوعًا للبحث؟!
والجواب هو أن سيرة صلاح الدين مرتبطة بالفتح المبين، وتحرير الأرض المقدسة (فلسطين) من قبضة الصليبيين الحاقدين والاستعمار الكافر، فحينما نكشف عن سرّ انتصاره في معركة حطّين، ونناقش بالتفصيل الأسباب التي أدّت إلى هذا النصر العظيم الخالد، فإننا في الواقع نضع أمام أعين الأمة الإسلامية طريقًا أوضح وثابتًا نحو تحرير القبلة الأولى، والحرم الثالث، ومكان معراج الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، من براثن الصهيوني الغاشم، واليهود المجرمين الأذلاء، ومن الغربيين والشرقيين الذين يعينونهم.
ستدرك أيها القارئ الكريم في أجزاء هذا البحث كيف تحقق هذا النصر على يد كُردي، ليست له نسبة نسبية مع العرب؟! وكيف جمع الناس على شريعة الإسلام وهداية الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم؟ وكيف توحدت الدول الإسلامية تحت قيادته الحكيمة؟ وكيف خاض النضال بإسم الإسلام وكيف قاتل لإعلاء «كلمة الله»؟ وكيف انتصر على الصليبيين و غيرهم بفضل عزة الإيمان والتمسك بحبل الله؟! وكيف تعامل مع العدو بأخلاق كريمة وسخاء عظيم؟ ستتعرّف بإيجاز على أبرز الصفات النبيلة التي تميّز بها صلاح الدين عن غيره، وأهم الإصلاحات التي حققها، وستفهم بالتفصيل من هو صلاح الدين البطل؟
إنّ الأمة الإسلامية، عربًا وعجمًا، في أمسّ الحاجة إلى أن تستلهم من سيرة هذا البطل طريقها نحو النصر والعزّة والكرامة، وأن تستخرج من ماضيها المشرق المجيد ما ينفع حاضرها، وأن تستفيد من العناصر التي أُعدّت للنصر في حطّين، لتستعين بها – بأسلوبٍ أفضل – في استعادة فلسطين، ومن هذا المنطلق، وبناءً على الأسباب التالية، يجب أن تُخصَّص سيرة السلطان صلاح الدين الأيوبي رحمه الله بمزيدٍ من البحث والدراسة:
۱. إن أمتنا الإسلامية تنتظر بطلًا مثل صلاح الدين الأيوبي، لتكرر ذلك الدور مرة أخرى، ويجب أن تدرك صفات البطل الجديد من خلال المقارنة بالبطل القديم.
٢. إنّ القدس اليوم في محنة، ومن الواجب على هذه الأمة أن تقرأ تاريخها وتعلم كيف حُرّرت القدس أول مرة، لكي تُحرّرها مرة أخرى.
٣. إنّ هذه الأمة اليوم قد فقدت طريق الاقتداء، ومن الواجب عليها أن تتعرّف على رجالها، وصلاح الدين الأيوبي رحمه الله هو من تلك الشخصيات التي يُقتدى بها عبر الزمان.
إنّ أمتنا اليوم قد ضلّت طريق الجهاد بوصفه السبيل الوحيد لإنقاذ فلسطين، وغرقت في الشهوات، لذا نحن بأمسّ الحاجة إلى تذكير قويّ من خلال عرض سيرة شاملة، ولا نجد في هذا المجال سيرةً مليئة بالقوة والدافع مثل سيرة صلاح الدين الأيوبي رحمه الله.
والحقيقة، أنّ الطريق الوحيد لقيادة هذه الأمة في هذه المرحلة هو تحمّل قضية فلسطين، بشرط أن تكون هذه المسؤولية صادقة ومتوافقة مع تطلعات هذه الأمة، وأفكارها، وثقافتها، وتاريخها، وقد حفظت الأمة لصلاح الدين أعطر الذكريات، لأنه كان كذلك فعلاً.
أما من يظنّ أن القيادة تكون بتحمّل زائف للمسؤولية ووعود كاذبة، فهو واهم، وإذا سار في هذا الطريق المنحرف والوعر، فإن الأجيال الآتية ستلعنه، ومحكمة التاريخ ستحاكمه، وأما من يظنّ أن قضية فلسطين ينبغي أن تُحلّ بفكر بعيد عن تراث هذه الأمة وعقيدتها، فهو أيضاً واهم، مستحق لغضب الله، ولعنة الأجيال، ومحاكمة التاريخ.
إنّ فلسطين كما كانت عبر التاريخ محور الأحداث في هذه المنطقة، كانت أيضاً محور العزّة والبطولات؛ وكما كانت وحدة الشام ومصر في يومٍ من الأيام وتحت رأية إسلامية واحدة نقطة الانطلاق لإنهاء الحروب الصليبية وغيرها، كذلك كانت هذه الوحدة بحاجة إلى دعم من الإمكانيات المتوفّرة في سائر أنحاء العالم الإسلامي، والتي كانت ظاهرة في ظل الخلافة العباسية في تلك الأونة، وكذالك اليوم، فإنّ فلسطين بحاجة إلى وحدة الشام ومصر؛ وحدة ذات مضمون إسلامي وأساسات إسلامية، وحدة تعود إلى الواقع القائم في سائر أرجاء الأمة الإسلامية.
ومن أجل فهمٍ أفضل وأعمق لمباحث هذا البحث، سنبدأ أولاً بالإشارة إلى الحروب الصليبية، ثم إلى شخصية الأتابك نور الدين الزنكي رحمه الله؛ لأن هذين الموضوعين مرتبطان ارتباطاً وثيقاً بحياة السلطان، ثم ننتقل بعد ذلك إلى سيرة السلطان صلاح الدين الأيوبي رحمه الله، إن شاء الله.
وأسأل الله أن يوفّق حكّام المسلمين في كل مكان؛ لأن يكونوا في الفداء والجهاد على منهج صلاح الدين، وأن يسيروا على دربه بالإيمان والتقوى، وأن يعملوا مثله في بناء صرح العزة والوحدة، فهو أهلٌ للإجابة، وأكرم ما يُتمنّى.
يتبع…
الجزء التالي