الكاتب: أبو عائشة

البعث بعد الموت

(الجزء الأول)

 

الملخّص
يُعدّ البعث بعد الموت أحد الأصول الأساسية للأديان السماوية، ولا سيما الدين الإسلامي الحنيف، وقد أكّد القرآن الكريم هذه الحقيقة في آيات كثيرة، واعتبرها من أركان الإيمان؛ كما في سورة البقرة حيث وُصف المتقون بأنهم: (يوقنون بالآخرة)، أي يؤمنون إيمانًا جازمًا بالحياة بعد الموت. إن الإيمان بالبعث بعد الموت يدلّ على عدل الله تعالى، وله دور جوهري في توجيه سلوك الإنسان وتنظيم حياته الدنيوية. كما أن الإيمان بالمعاد يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالحكمة الإلهية، والعدل، وكون الخلق ذا غاية وهدف.
وقد عرض القرآن الكريم المعاد في مواضع متعددة على أنه حقيقة قطعية لا تقبل الإنكار، وجعله ميزانًا للإيمان والتقوى، وسمّاه يوم الحساب والجزاء ومرجع جميع البشر. ويهدف هذا البحث إلى عرض مسألة الحياة بعد الموت على ميزان العقل والنقل، ونقد آراء منكري المعاد، مع بيان الأدلة العقلية والنقلية لكل من المثبتين والنافين، والرد على الشبهات المثارة حول هذا الموضوع.
المقدمة
يُعدّ الإيمان بالمعاد والبعث بعد الموت من أهم العقائد الأساسية في الإسلام. فهذا الاعتقاد لا يدلّ فقط على نهاية الدنيا وبداية عالم جديد يُسمّى الآخرة، بل هو دليل على حكمة الله تعالى وعدله وقدرته المطلقة، وضمان لتحقيق العدالة الإلهية وإقامة النظام في الكون.
فمع الإيمان بالمعاد والبعث بعد الموت، والرجوع إلى الحاكم الفصل بين الخلائق، يدرك الجميع أن الحقوق ستُستوفى كاملة؛ فالظالمون الذين بغَوا في الدنيا سيُحاسَبون، والمظلومون الذين سُلبت حقوقهم ستُعاد إليهم حقوقهم. ومن هنا تتجلّى عِظم أهمية الإيمان بالمعاد والبعث بعد الموت. وقد أكّد القرآن الكريم هذا المفهوم في آيات كثيرة، كما جعله النبي ﷺ ركنًا من أركان الدين.
يرى أهل السنة والجماعة ـ استنادًا إلى القرآن والسنة وإجماع الأمة ـ أن المعاد حقيقة يقينية، وإنكاره إنكار لأحد أصول الإيمان. فالإيمان بالمعاد يجعل سلوك الإنسان هادفًا، ويضفي على الأخلاق معنى، ويوجّه الحياة نحو المسؤولية والتقوى، كما يدفع الإنسان إلى محاسبة نفسه والتحفّظ في أفعاله.
ونظرًا لأهمية هذا الموضوع وضرورة العلم به، يسعى هذا البحث إلى بيان مكانة المعاد من منظور القرآن والسنة، وذكر أدلة الفريقين، مع دراسة ونقد آراء منكري المعاد، وبيان حقّانية الإيمان بالحياة بعد الموت بالأدلة العقلية والنقلية.
الكلمات المفتاحية: الأحاديث، أهل السنة، الآيات، الشبهات، المعاد، منكرو المعاد.
تنبيه
قبل الخوض في دراسة لفظ «المعاد» من الناحية اللغوية والاصطلاحية، لا بدّ من الإشارة إلى أن مصطلح «زنده‌ شدن پس از مرگ» (الحياة بعد الموت) يُستعمل في العربية بصيغتين: المعاد والبعث بعد الموت، وعلى الرغم من وجود فروق لغوية من حيث المادة، فإن المعنى في كلا المصطلحين واحد؛ إذ إن كلمات البعث والمعاد والحشر تدلّ جميعها على معنى واحد[1]. لذلك سنقوم بدراسة أصل الكلمتين، ثم ننتقل إلى بقية المباحث.
 المعنى اللغوي للمعاد
المعاد في اللغة مأخوذ من مادة (ع و د)، بمعنى الرجوع، يقال: عاد يعود. و«المعاد» بفتح الميم يعني المصير والمرجع [2].
ومن هذه المادة جاء قولهم: «المعاد في الآخرة»، أي رجوع الإنسان إلى الحياة بعد الموت، ومصيره وعاقبة أمره وحاله في الآخرة [3].
والمعاد مصدر ميمي من «عاد»، ومعناه المرجع والمصير[4]. قال الله تعالى:(إن الذي فرض عليك القرآن لرادّك إلى معاد) [5]
قال ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير الآية: «يردّك إلى موضعك في الجنة». وقال مجاهد رحمه الله: «يحييه يوم القيامة عند بعث العباد»[6].
المعنى الاصطلاحي للمعاد
قال الحافظ الحكمي رحمه الله: «المعاد هو الرجوع إلى الله تعالى»[7].
وقال القاضي عياض رحمه الله: «المعاد في الآخرة هو رجوع الإنسان إلى الحياة بعد الموت، ومصيره وعاقبة أمره وحاله في الآخرة»[8].
وقال عبد الرزاق عفيفي رحمه الله: «البعث هو إحياء الله تعالى للموتى، وإخراجهم من قبورهم يوم القيامة»[9].
وعليه، فإن المعاد في الاصطلاح الإسلامي ـ بالنظر إلى أصل الكلمة ودلالتها ـ مأخوذ من معناها اللغوي، وهو ما يفهمه الناس من الرجوع إلى الله تعالى والحياة بعد الموت، فالموت ليس نهاية حياة الإنسان، بل لا بدّ له من الوقوف يومًا ما بين يدي محكمة العدل الإلهي، لمحاسبته على كل صغيرة وكبيرة مما عمله في هذه الدنيا.
يتبع…

الجزء التالي

[1] جامع العلوم في اصطلاحات الفنون، ۱۴۲۱هـ/۲۰۰۰م، ج ۱، ص ۱۷۰.
[2] الرازي، زين الدين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر، مختار الصحاح، تحقيق: يوسف الشيخ محمد، ۱۴۲۰هـ، ج ۱، ص ۲۲۱.
[3] السبتي، عياض بن موسى، مشارق الأنوار على صحيح الآثار، ج ۲، ص ۱۰۵.
[4] عمر، أحمد مختار عبد الحميد، معجم اللغة العربية المعاصرة، ۱۴۲۹هـ، ج 2، ص ۱۵۷۳.
[5] القرآن الكريم، سورة القصص، الآية ۸۵.
[6] الزبيدي، محمد بن محمد، تاج العروس من جواهر القاموس، تحقيق: مجموعة من المحققين، ج ۸، ص ۴۴۱.
[7] الحكمي، حافظ بن أحمد، معارج القبول، ج ۲، ص ۶۸۱.
[8] السبتي، عياض بن موسى، مشارق الأنوار على صحيح الآثار، ج ۲، ص ۱۰۵.
[9] فتاوى ورسائل عبد الرزاق عفيفي، قسم العقيدة، ص ۲۳۱.
شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version