
الكاتب: عبید الله النیمروزي
سيرة عمر بن عبد العزيز رحمه الله
(الجزء الخامس)
ضرورة ظهور أفراد أحياء لإحياء المذهب
إن أي دين لا يبقى حيًّا، ولا يمكنه أن يحافظ على خصائصه لفترة طويلة، ولا أن يَحول دون تقلبات الزمان، إلا إذا وُجدت فيه أفراد، واحدًا تلو الآخر، ممن يحملون يقينًا غير عادي، وروحانية خالصة، ويتمتعون بكفاءات فكرية وقلبية عالية، ينفخون روحًا جديدة في هذا الجسد الميت، ويُولدون ثقة جديدة وقوة عمل بين أتباعه.
إن حاجات الحياة البشرية تتجدد في كل لحظة، وشجرة المادية دائمًا خضراء نضرة، ولا حاجة لحركة عبادة النفس ومذهبها، حاجة في الحقيقة إلى تجديد الحياة؛ لأن المحرّضين والدوافع لهذه الفكرة موجودون في كل خطوة، لكنه مع كل ذلك، لم يخلُ تاريخ الإسلام في أي وقت من الدعاة المتحمسين والمجددين المجتهدين، الذين أحيوا شباب الإسلام ونشاط دعوته، حتى لا يتمكن خصومه من دخول الساحة بقوة جديدة وحيوية متجددة، وما لم يُجدد الدين ويُبعث فيه الروح تدريجيًا بين الحين والآخر، فإن البقاء في وجه المادية النشطة والنفس الحيّة سيكون أمرًا صعبًا جدًا.
كل فرد وقوة جديدة يواجهان فتنة وخطرًا حقيقيًا
لا يمكن لأحد أن يُنكر أن التاريخ الطويل والمليء بالتقلبات للإسلام لو حُدد من حيث الدعوة الحقيقية، وطُمست حقيقته تحت حُجب كثيفة، لتبلّد ضمير الأمة الإسلامية كليًا، ولغمرت الظلمات جميع أنحاء العالم الإسلامي، وهذه حقيقة تاريخية أنه كلما ظهرت فتنة ضد الإسلام، أو جرت محاولات لتحريفه وتشويه صورته، أو قُدّم بطريقة خاطئة، أو شنّ الماديون هجومًا عليه، ظهر رجلٌ مجاهد في الميدان، يقف بقوة إيمانه في وجه هذه الفتن الحديثة، ويطردها من الساحة.
لقد كانت هناك دعوات وحركات قوية جدًا في زمانها، ولكن وجودها وخدماتها اليوم لا تتجاوز صفحات الكتب، وقد أصبح اليوم من الصعب التعرف على حقيقتها، ربما تجد قلة من الناس في هذا الزمان يعرفون شيئًا عن القدرية، أو الجهمية، أو المعتزلة، أو خلق القرآن، أو وحدة الوجود، أو الدين الإلهي الأكبر وتفاصيله، رغم أن هذه الدعوات والحركات كانت تعتبر في وقتها مذاهب وأيديولوجيات بارزة، وقد دعمتها دول وسلطات عظيمة، وكان لها دعاتها وأذكياؤها وقادتها.
لكن في النهاية، تغلّبت حقيقة الإسلام على جميعها، وسرعان ما تحوّلت تلك الحركات الحية والمذاهب السلطانية إلى نصوص محفوظة في كتب علم الكلام والتاريخ والعقيدة، وهذه السلسلة من الدعوة، والإصلاح، والتجديد، والثورة، والمحافظة على الدين، تمتدّ بجذوره إلى بداية تاريخ الإسلام، وهو مستمر بقدر حياة المسلمين، وثبوته متواتر كحياة الأمة نفسها.
ميراث الإسلام
هذا هو الذي وصل إلينا، ونحن نُسمّيه اصطلاحًا «ميراثًا»، وهو مصطلح غربي؛ لأنّ الإسلام دين حيّ خالد، والمقصود من «الميراث» هو الثروة والرأسمال الذي انتقل إلينا من الأسلاف، لكن الحقيقة أنّ العلم الراسخ، والعقيدة المحفوظة، والإيمان الثابت، والأخلاق الرفيعة، وفقه الشريعة والآداب، كلّها من ثروات الإسلام ورأس ماله، والتي يمتلك منها كل رجل نصيبًا كاملاً إذا كان قد أقام، في حقبة من التاريخ، الحكم الإسلامي على منهج الخلافة، وقاتل الجاهلية والمادية، ودعا إلى الله، وأحيا الخصائص الإسلامية التي كانت قد اندثرت، وبثّ في الأمة روحًا جديدة من الإيمان، ومن هؤلاء الأفراد الفريدين والشخصيات النادرة هو الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز رحمه الله، والذي يعدّ مثالًا حيًّا على ذلك.
يتبع…