
الكاتب: مناظر الإسلام الشیخ مولانا محمد نافع محمدي
المترجم: سید مصلح الدین
البنات الأربعة المحبوبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم
(الجزء الثاني)
التأثيرات الفطرية للأب على الأبناء:
لعلكم انتبهتم إلى النقطة التي تقول أن الأولاد يرثون عادةً بعض الميزات الجسمية والسلوكية من آبائهم، وكثيرًا ما نجد شباهتهم بآبائهم في الوجه والجسم، حتى إن الأطباء يتمكنون من خلال إجراء تحاليل على عينيات الدم تحديد العلاقة بين الأب والابن.
إن حادثة تسمم الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وتأثير السم على ابنته يمكن أن يكون تأكيدًا لهذه الحقيقة. يروي أنس بن مالك رضي الله عنه أن زينب بنت الحارث اليهودية، دعت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مائدة، وقدمت له لحم ماعز مسموم. وبمجرد أن وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم لقمة منه في فيه، نبّأه الله سبحانه وتعالى على حقيقة الأمر فتوقف عن الأكل فورًا …
.[1]
رغم أن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم نجا من آثار ذلك السم المميت، إلا أن آثاره كانت ظاهرة على زوايا شفتيه، وكان الصحابة رضي الله عنهم يروْن ذلك، وقد ذكر المحدثون الكرام: «إن أثر تلك اللقمة من الشاة كان باقياً تعتريه حتى الوفاة إذ كان يعرف ذلك بتغيير لون اللهوات».
ولهذا السبب، يعتقد بعض كبار الصحابة رضي الله عنهم أن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم استشهد بسبب ذلك السم. يقول مولانا أشرف علي التهانوي رحمه الله: وبناءً على الأحاديث الصحيحة، قال الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: «كنت أشعر دائماً بأثر ذلك السم حتى تحقق في النهاية وأودى بحياتي» لذلك، إذا كانت هذه الأحاديث موثوقة وصحيحة، فإن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم قد استُشهد.[2]
وبحسب ما توصَّل إليه علم الطب، فإن تأثير المادة السامة في جسم الإنسان قد يَخفت مؤقتًا ويبدو كأنه زال، لكنه يعود بعد فترة ويؤدي في النهاية إلى وفاة الشخص المُتسمم. وهذا القانون الطبي ينطبق أيضًا على الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، حيث خفّ تأثير السمّ في البداية، لكنه عاد بعد حين وظهر أثره على جسده الطاهر، وأضحى سبب وفاته.
وقد حدث أمر مماثل لابنته زينب رضي الله عنها، إنها لاقت مشاقّ كثيرة أثناء الهجرة، وسقطت من الجمل فأُصيبت بجراح، ورغم أن جراحها تعافت مؤقتًا، إلا أنها عادت بعد مدة وتقيّحت، مما أدّى إلى وفاتها. ولهذا، اعتبرها الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم شريكة في آلامه، فقال مادحًا إيّاها: «خَيرُ بَنَاتِي أَصِيبَت فِىّ»[3] وقد اعتبر المؤرخون وفاتها شهادة، حيث قالوا: «فلم تزل وَجعَها حتى ماتت من ذلك الوجع، فكانوا يرون أنها شهيدة»[4] وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله: «ماتت شهيدةً».[5].
إن التشابه الموجود في هذه الوقائع بين الأب وابنته يُمكن أن يكون دليلًا حقيقيًا على إثبات هذه الحقيقة، وهي ناتجة عن القوانين الوراثية التي انتقلت إلى الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بشكل وراثي، ولا يستطيع أحد أن يُنكر أن السيدة زينب رضي الله عنها كانت ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن بعض صفاته قد انتقلت إلى جسد ابنته.
فشهادتها كانت نتيجة الجراح التي شفيت مؤقتًا ثم تفاقمت، كما أن السمّ في جسد والدها الشهيد خفّ تأثيره لفترة، ثم عاد فكان سببًا في وفاته.
يتبع…
[1] ـ صحيح البخاري، ج ۱، ص ٦١٠.
[2] ـ نشر الطيب، ص ٢٠٣.
[3] ـ المعجم الكبير للطبراني، الحديث رقم: ١٨٤٨٤.
[4] ـ مجمع الزوائد، ج ٩، ص ٢١٦.
[5] ـ البداية والنهاية، ج ٥، ص ٣٠٨.