إن الرمز الأصلي، في العصر الحاضر، للحضارة والتقدم هو إنجازات علمية في أرضيات مختلفة في المجالات النظرية والعملية، وتسعى المجتمعات البشرية التي منطلقة سريعة نحو فتح القلل الجديدة للعلوم، إلى إيجاد تاريخ علمي مشرق لأنفسها. وكان المسلمون روّاد العلم في العديد من المجالات على مرّ العصور، وحتى كثير من مؤرّخي أوروبا يعتقدون أنّ التقدّمات العلمية دخلت إلى أوروبا من بوابة الإسلام.
وبعد الفتوحات الأولى، ونظراً لتأكيد الإسلام على طلب العلم والتحصيل والتعلُّم من أيّ أحد ومن أيّ مكان، بدأ العمل على ترجمة ونقل العلوم من مختلف اللغات إلى اللغة العربية منذ القرنين الثاني والثالث الهجريين، في بيت الحكمة وغيرها من المراكز العلمية في العالم الإسلامي.
وفي القرون الأولى، حقق المسلمون والمفكرون، ولا سيما العلماء والباحثون في علم الفيزياء، نتائج قيمة في هذا المجال.
وفي الحقيقة، كان للمسلمين والعلماء المسلمين دور لا يُنكر في تهيئة البيئة المناسبة لاكتشاف العلوم وتطويرها، وخاصة علم الفيزياء، وهم في الواقع كانوا السبب في نشأة وتقدّم العديد من العلوم، ومصدر تقدّم الأمم والشعوب في العالم.
نسعى في هذا القسم، إلى ذكر عدد من هؤلاء العلماء كمثال ونموذج للقليل من الكثير، لعلّ العالم يُظهر اعترافه وامتنانه للعلماء والمفكرين المسلمين.
ابن الهيثم
١- التعريف بشخصية ابن الهيثم
هو أبو علي محمد بن الحسن بن الهيثم البصري، المعروف اختصارًا بابن الهيثم، يُعدّ من أبرز علماء العالم الإسلامي. كان فيزيائيًا، ورياضيًا، وفلكيًا عربيًا شهيرًا، وقد لُقّب بـ«أب البصريات الحديثة». وُلد ابن الهيثم في البصرة سنة ٣٥٤ هـ، وتوفي سنة ٤٣٠ هـ. وكذلك يُعدّ من أعلام تاريخ العلوم، وقد كرّس العديد من الباحثين في السنوات الماضية جهودهم لدراسة أفكاره العلمية وتحليلها.
يعتقد كثير من الباحثين أن ابن الهيثم كان أول عالم في العالم نجح في قياس سرعة الصوت. وقد تمكن هذا العالِم الكبير في العالم الإسلامي من القيام بهذا الإنجاز باستخدام وحدات القياس الطولية المتداولة في عصره، وكانت وحدة القياس حينها «الذراع». وبنفس هذه الوحدة، قاس سرعة الضوء ومحيط الكرة الأرضية.
وقد سبق ابن الهيثم إسحاق نيوتن بسبعمائة سنة في دراسة خصائص الضوء والبحث فيها. كما أنه نجح في وضع الأسس الأولى للمنهج العلمي القائم على التجربة قبل علماء عصر النهضة بخمسة قرون. وبالنظر إلى مستواه العلمي العالي في مختلف الفروع، فقد اشتهر ابن الهيثم بعدة ألقاب، منها:
– أبو المنهج العلمي الحديث؛
– بطليموس الثاني؛
– أول عالم حقيقي في العالم؛
– أبو علم فيزياء الضوء؛
– أبو البصريات الحديثة.
٢- المنهج العلمي عند ابن الهيثم
إن أبرز ما ميّز ابن الهيثم هو استخدامه للطرق العملية لإثبات نظرياته، وكان هذا إنجازًا بارزًا في عصره، إذ إن علم الفيزياء في ذلك الوقت، مثل سائر العلوم كالفلسفة، لم يكن يعتمد على الأساليب العملية.
في الحقيقة، كان هو أول من اعتقد في عصره أن كل نظرية تحتاج إلى بحث وتجارب عملية لإثباتها. ولهذا السبب ألّف كتابه«المناظر»، الذي نقض به كتاب «المجسطي» لبطليموس.
ويُعتبر ابن الهيثم مبتكر المنهج التجريبي، ويُعد إدخال التجربة العلمية كأداة منهجية في البحث من إنجازاته البارزة. وقد ساهمت أعماله في إحداث طفرة كبيرة في علم البصريات، وكان لها أثر كبير في مدرسة أكسفورد، التي استفادت من المصادر العربية، لا سيما مؤلفات ابن الهيثم.
وقد أثنى المستشرقون على دقته في مقالته «الشكوك على بطليموس»، حيث كشف عن الفروقات والتناقضات بين كتابي بطليموس الفلكيين «المجسطي» و«الاقتصاص»، وطرح نظريات أكثر دقة.
٣- مؤلفات ابن الهيثم
إن أغلب مؤلفات ابن الهيثم كانت في مجالي الرياضيات والفيزياء، لكنه تناول أيضًا موضوعات في الفلسفة والطب. وكان في المراحل الأولى من تأليفه، يشتغل بشرح وتلخيص أعمال السابقين، وأحيانًا كان ينقد آراء بعضهم ويدافع عن آخرين.
ومن بين مؤلفاته البارزة:
كتاب المناظر
يُعدّ كتاب المناظر من أهم مؤلفات ابن الهيثم، العالم والفيلسوف والفيزيائي المسلم في القرن العاشر الميلادي (الرابع الهجري). وقد كتب في هذا الكتاب سبعة مقالات حول علم البصريات. وقد تُرجم هذا الكتاب في القرن الثامن الهجري (الرابع عشر الميلادي) إلى الفارسية على يد كمال الدين، وتم نشره.
ثم إن كتاب المناظر عمل تجريبي يعالج خصائص الضوء والعلاقة بين الضوء والعين، وقد أشار فيه ابن الهيثم إلى منهجه البحثي، الذي يجمع بين الطرق التجريبية والرياضية والاستقرائية والمعقولة. ويُعدّ شرحه لعملية الإبصار في هذا الكتاب بمثابة تجربة معرفية متقدمة، ويظهر في أسلوبه طابع ظاهراتي ونفسي-فيزيائي مدهش.
وفرّق ابن الهيثم بين الإدراك البصري والإحساس البصري، فكان يعتقد أن الإحساس البصري هو إدراك صورة الأشياء؛ كالأشكال التي تصل إلى العين من ألوان وأضواء الأجسام، غير أن هناك أمراً أسمى من الإحساس البصري يدركه الإنسان.
الشكوك على بطلميوس
في هذا المؤلف، قام ابن الهيثم بتقييم ونقد ثلاثة كتب لبطلميوس، وهي: «المجسطي»، «الاقتصاد»، و«المناظر»، وعلى الرغم من اعترافه ببراعة بطلميوس في الرياضيات، إلا أنه بيّن أن في كتبه بعض مواطن الغموض، والمصطلحات غير الدقيقة، والمعاني المتناقضة، وإن كانت هذه قليلة مقارنةً بالمفاهيم الصحيحة التي وردت في كتبه.
ضوء القمر
قام ابن رضوان، الطبيب المصري الشهير، في سنة ۴۲۲ هـ، بنسخ هذا الأثر لنفسه، مما يدل على شهرة هذه الرسالة في زمن المؤلف نفسه. وقد نُشرت هذه الرسالة أيضاً ضمن مجموعة مقالات ابن الهيثم بتحقيق نعيم الدين زُبيري.
الضوء
تُرجمت هذه الرسالة لأول مرة على يد بارمن، ونُشرت سنة ۱۸۸۲م في “مجلة الجمعية الشرقية الألمانية”. كما قام ويدمان بدراسة نسخة من هذه الرسالة قام بتحريرها كمال الدين الفارسي (المتوفى سنة ۷۲۰ هـ / ۱۳۲۰م)، ونشرها في نفس المجلة. ثم نشرها سزگين في المجلد الأول من مجموعة مقالات ويدمان. كما نُشرت هذه الرسالة مرة أخرى سنة ۱۹۶۹م بمناسبة الاحتفال بألفية ابن الهيثم، بتحقيق أحمد الله ندوي في باكستان، ثم في سنة ۱۹۸۳م في حيدر آباد دكن مع “مجموع الرسائل” لابن الهيثم.
حرکة القمر
توجد نسخ من هذا الأثر في مكتبات إسطنبول، بودليان ولينينغراد.
تربيع الدائرة
نُشرت هذه الرسالة من قِبل زوتر مع ترجمتها إلى الألمانية سنة ۱۸۹۹م في «مجلة الرياضيات والفيزياء»، ثم طبعها سزغين سنة ۱۹۸۶م في المجلد الثاني من مجموعة مقالات زوتر.
استخراج سمت القبلة في جميع المسكونة بجداول وصفات ولم أورد البرهان على ذلك
توجد نسخ من هذه المقالة في مكتبات لينينغراد وبودليان. قام كارل شوي بدراستها ونشرها سنة ۱۹۲۱م في «مجلة الجمعية الشرقية الألمانية»، كما طبعها سزغين لاحقاً في المجلد الأول من مجموعة آثار شوي.
إنجازاته وابتكاراته
كان ابن الهيثم أول عالم استخدم مفهوم الشعاع الضوئي وتناولَه من منظور فيزيائي. ويقول: «لما كانت حقيقة الإبصار خافية منذ زمن بعيد على أهل النظر والتحقيق، وكان فيها اختلاف، ولم توجد فيها نظرية صحيحة، فإني عالجتُ ذلك بحسب قدرتي، وأوليتُه عناية كبيرة، وبذلتُ فيه جهدًا كثيرًا، وسنبدأ أولًا بالمبادئ والمقدمات المتعلقة به». [دفاع، ۳۶]
ماهية الضوء
كتب ابن الهيثم رسالة عن الضوء، وأجرى أولى التجارب حول خصائصه. وكان أول باحث في البصريات يعتبر الضوء شيئًا ماديًا، ويعتقد أن للضوء وجودًا يتحقق في الزمن، حتى وإن كان خفيًا عن البصر. وكان يعارض نظرية انبعاث الضوء من العين نحو الأجسام، ويرى أن الضوء يصدر من الجسم المرئي باتجاه العين، وأن عدسة العين تتلقى الضوء. [دفاع، ۳۷]
ـ توصّل إلى العلاقة بين زاوية السقوط وزاوية الانكسار (ويعتقد بعض مؤرخي هذا العلم أن قانون سنيل مأخوذ فعلاً من أبحاث ابن سهل وابن الهيثم).
ـ شرح مبدأ الغرفة المظلمة وصنع العدسة المكبرة.
ـ اكتشف قوانين انكسار الضوء.
ـ ناقش أجزاء العين المختلفة.
ـ صنع العدسة المكبرة وشرح مبدأ الغرفة المظلمة مما أدى لاحقًا إلى اختراع الكاميرا.