
الكاتب: شعیب أحمد «غزنوي»
تاريخ الكعبة المشرفة
(الجزء الثاني)
تاریخ الكعبة المشرفة
إنّ بناء الكعبة المشرقة وبداية قضية الحرم ومناسكه يرتبط باسم إبراهيم الخليل وابنه إسماعيل عليهما السلام، حيث يقول الحافظ ابن كثير رحمه الله في كتاب البداية والنهاية: «ظاهر آيات القرآن يقتضي أن إبراهيم هو أول من بنى الكعبة ووضع أساسها»، ولكن النصوص الواردة في هذا الشأن لا تتعارض مع رأي ابن كثير القائل بأن الكعبة قد بُنيت قبل إبراهيم عليه السلام.
وقد ورد في الروايات التاريخية أن الكعبة قد أعيد بناءها عشر مرات، فإذا اعتبرنا البناء الأساسي ثم الترميمات، فإن أول من بناها كانوا الملائكة، ثم على الترتيب: آدم (عليه السلام)، وشيث (عليه السلام)، وإبراهيم وإسماعيل (عليهما السلام)، والعماليق، وقبيلة جرهم، وقريش، وعبد الله بن الزبير، والحجاج، والسلطان مراد العثماني، وأخيراً خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز، كلٌّ منهم قام بإعادة بناء المسجد الحرام. والله أعلم.
يعود بناء الكعبة المعظمة وترميمها إلى الزمن الذي جاء فيه إبراهيم (عليه السلام) مع زوجته هاجر وطفله الرضيع إسماعيل إلى مكة، فوضع إبراهيم (عليه السلام) هاجر وإسماعيل بجوار البيت، عند بئر زمزم، في وقت لم يكن يسكن فيه أحد، ولم يكن هناك ماء في ذلك المكان.
تركهما إبراهيم (عليه السلام) هناك ومعهما كيسٌ من التمر وقربةٌ من الماء، ثم انصرف، فقلقت هاجر وتبعته تقول: يا إبراهيم! إلى أين تذهب وتتركنا في هذا الوادي الذي لا أنيس فيه ولا شيء؟
فكررت عليه ذلك مرارًا، لكنه لم يلتفت إليها. فقالت له: أالله أمرك بهذا؟
فقال: نعم، فقالت: إذًا لا يضيعنا الله. ثم رجعت إلى إسماعيل عليه السلام.
تابع إبراهيم (عليه السلام) سيره حتى بلغ ثنايا مكة وتلالها حيث لا تراه هاجر، فاستقبل البيت ورفع يديه وقال:«رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ».
ترك إبراهيم (عليه السلام) هاجر، فبقيت وحدها تُرضِع ولدها وتشرب من الماء حتى نفد ما في السقاء، فعطش ابنها وجعل يتلوى من شدة العطش، فنظرت إليه لا تطيق رؤيته على تلك الحال، فقامت تبحث له عن الماء، فرأت الصفا أقرب جبل إليها، فصعدت عليه، ثم نظرت نَحو الوادي لعلها ترى أحدًا، فلم تر أحدًا، فنزلت من الصفا، حتى إذا بلغت بطن الوادي رفعت ذيلها، وأسرعت في المشي حتى تجاوزت الوادي، ثم صعدت المروة، ونظرت فلم تجد أحدًا، ففعلت ذلك سبع مرات.
قال ابن عباس رضي الله عنهما: قال الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم: «فذلك سعي الناس بين الصفا والمروة»
عندما صعدت على جبل المروة، سمعت صوتًا، فقالت: صَهْ، ثم استمعت، فقالت لنفسها: قد سمعتَ إن كان هنا غَوَاثٌ، فإذا بالملَك عند موضع زمزم يضرب الأرض بجناحه حتى ظهر الماء، فجعلت تحوّط الماء، وتغرفه في سِقائها، وهو يفور بعدما تغرف.
قال ابن عباس رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «رحم الله أم إسماعيل، لو تركت زمزم – أو قال: لو لم تغرف من الماء – لكانت زمزم عينًا معينًا». قال الراوي: فشربت وسقت ولدها، فقال لها الملك: لا تخافي الضيعة، فإن هذا بيت الله، يبنيه هذا الغلام وأبوه، وإن الله لا يضيع أهله، وكان موضع البيت مرتفعًا من الأرض كالرابية، تأتيه السيول فتأخذ عن يمينه وشماله، وكانت هاجر على ذلك، حتى مرت رفقة من جرهم بكَداء، فنزلوا في أسفل مكة، فرأوا طائرًا عائفًا، فقالوا: إن هذا الطائر ليدور على ماء، ولقد عهدنا هذا الوادي وما فيه ماء. فأرسلوا جريًا أو جريين، فإذا هم بالماء، فرجعوا فأخبروهم بالماء، فأقبلوا، فإذا هم بهاجر، فقالوا: أتأذنين لنا أن ننزل عندك؟ قالت: نعم، ولكن لا حق لكم في الماء. قالوا: نعم. وكانت أم إسماعيل تحب الأنس، فنزلوا.
نشأ إسماعيل عليه السلام، وترعرع وتعلَّم العربية من أهل جرهم، فلما بلغ أشدَّه زوَّجوه امرأةً منهم، ثم توفيت أمه هاجر. فجاء إبراهيم عليه السلام يزور أهله، ثم رجع، ثم جاء مرة أخرى، فقال: «يا إسماعيل، إن الله أمرني بأمر». فقال إسماعيل عليه السلام: «افعل ما أمرك الله به». قال إبراهيم: «وتعينني؟» قال: «أعينك». فقال له: «إن الله أمرني أن أبني ههنا بيتاً»، وأشار بيده إلى أكمةٍ مرتفعةٍ تحيط بها التلال.
قال الراوي: فهنالك وضعا قواعد بيت الله، وكان إسماعيل عليه السلام يأتي بالحجارة، وإبراهيم عليه السلام يبني، وكانا يقولان: (رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ). وهكذا، فإن الكعبة أول بيت وُضع في الأرض لعبادة الله تعالى. قال الله سبحانه: (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ).
وروى الإمام البخاري عن أبى ذر رضي الله عنه أنه قال: سألتُ رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم: «أيُّ مسجدٍ بُنيَ أولاً في الأرض؟» فقال الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: «المسجد الحرامُ.» قلتُ: «فأيُّ بُني بعده؟» قال: «المسجد الأقصى.» قلتُ: «كم كانت المسافة بين بناءهما؟» قال: «أربعون سنة»، وكان بناءُ إبراهيم عليه السلام بوضع الحجارة فوق بعضها البعض، دون مؤنة بينهما، وكانت الملائكةُ تأتي بالحجارة من جبال طور سيناء، طور زيتا، لبنان، جبل جودي وحراء. وكانوا يبنون كل يوم قدرَ ساقٍ، أي صفًا واحدًا من الحجارة، فلما وصلوا إلى مكان الحجر الأسود، طلب إبراهيم من إسماعيل أن يأتي بحجرٍ يكون علامةَ بدء الطواف.
ثم جاء جبريل بالحجر الأسود، وكان على شكل مستطيل، وطوله تسعة أذرع (حوالي أربعة أمتار واثنان وثلاثون سنتيمترًا)، وجعل للكعبة بابين بلا أبواب على مستوى الأرض، وفي داخلها حُفرَة لتكون خزينةَ الكعبة، ولم يغط سقفها، وبنى في شمالها مظلّةً منحنيةً تقع اليوم في محل الحجر.
يتبع…