
الكاتب: شعیب أحمد «غزنوي»
تاریخ الكعبة المشرفة
(الجزء الأول)
الخلاصة
إنّ البيت الحرام بالعربية: الكعبة أو بيت الله، هو بناء مقدس يقع في وسط المسجد الحرام في مدينة مكة بالمملكة العربية السعودية. الكعبة، التي يُشير اسمها إلى شكلها المكعب، تُعد من أقدس الأماكن في الإسلام، ووفقًا لتعاليم القرآن الكريم، فإن الكعبة قد أعاد بناءها إبراهيم عليه السلام وابنه إسماعيل عليه السلام، في حين يُنسب أول من بناها إلى الملائكة وآدم عليه السلام، وكانت تُعد هي من الأماكن المقدسة لدى العرب حتى قبل ظهور الإسلام، حيث كان البدو العرب يجتمعون فيها سنويًا متخلين عن النزاعات القبلية لعبادة آلهتهم، والمسجد الحرام، الذي تقع الكعبة في مركزه، هو المسجد الذي يتجه إليه المسلمون في صلواتهم من جميع أنحاء العالم، وتُعرف هذه الوجهة بـ«القبلة»، وبحسب أركان الإسلام، يجب على كل مسلم قادر ماديًا وجسديًا أن يؤدي فريضة الحج مرّة واحدة على الأقل في عمره، ويؤدي مناسك الحج المعروفة.
المقدمة
مكة المكرمة، بوصفها أرض الله وحرمه، هي مثال للطهارة والنقاء، ومركز للقداسة، وأحب البلاد إلى الله تعالى ورسوله، واختار الله هذه الأرض لتكون موضع أول بيت للعبادة، كما أن إبراهيم الخليل عليه السلام بنى أول بناء لعبادة الله على هذه الأرض.
وهذا الجزء من الأرض، الذي هو الأقرب إلى السماء، قد غُرِس حبه والشوق إليه في قلوب المؤمنين، فلا أحد يدخل هذا المكان إلا ويتغلغل الشوق في قلبه، ويخرج منه بحزن وأسف، متمنّيًا العودة إليه، وهذه الحقيقة ليست بغريبة، كما يذكرها الله تعالى في كلام إبراهيم الخليل عليه السلام: «فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِى إِلَيْهِمْ».
فمكة، -صانها الله- كالشمس بين النجوم، وهي قبلة المسلمين وأم القرى في العالم، وقد أقسم الله بها، ولا يُقسم الله إلا بعظيم، فقال: (وَلَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ)؛ أي أقسم بهذا البلد (مكة التي فيها الكعبة).
وقد جعل الله تعالى هذه النقطة من هذه الكرة محلًّا لنزول رسالته، وبعث فيه أكرم أنبيائه، وأفضل خلقه، وخاتم رسله محمدًا صلى الله عليه وسلم، والله الحيّ القيوم يحب هذا المكان، ولذلك توعد كل من نوى به سوءًا بالهلاك والدمار.
ومكة، مركز اليابسة للكرة الأرضية، مهبط الوحي، ومنزل نزول القرآن العظيم، جعلها ربّ العالمين حرمًا آمنًا منذ خلق السماوات والأرض، فيعيش الناس فيها في أمن وسلام، بل حتى الطير والوحوش تشعر بالطمأنينة، وليس ذلك بعجيب، فإن الله أطعمهم من جوع، وآمنهم من خوف الظلم وقطاع الطريق.
ولا غرو، فإن هذه المدينة تقع فيها الكعبة المشرفة، والحجر الأسود، ومقام إبراهيم، وفيها نادى إبراهيم الخليل عليه السلام بالحج، فلبّى دعوته قوافل الأنبياء والصالحين ومن جاء بعدهم من الناس، وجعل الله عزوجل فيها البركة بمولد خير الخلق محمد صلى الله عليه وسلم، ولا تزال هذه القداسة مستمرة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
لقد أكرم الله هذا البلد، وضاعَف أجر الصلاة في مسجده إلى مئة ألف صلاة، وحرّم دخول الدجال إليه، ولم يستطع أحدٌ في الأرض أن يغلبه أو يملكه، وبقي ويبقى منسوبًا إلى الله تعالى أبد الدهر. نعم، إنها مكة، قبلة الوجود وزاد المتقين.
عَزَّ فيك الضعيفُ وهو أجيرُ،
فله في حِماك كفٌّ نصيرُ
والكلام الأخير، فهل يليق بمدينة ذاتِ فضائل كهذه، وأرض ذات منزلة عظيمة كهذه الأرض، أن لا نحبّها ولا نشتاق إليها؟ وكيف لا، وكل جزءٍ، بل كل شبرٍ منها، يخبرنا عن خُطى خيرِ الخلق صلى الله عليه وسلم وهو يدعو إلى التوحيد والصلاح، وإلى السّلامة والأمن، وإلى الخير والرحمة والمحبّة؟!
بقول الشاعر:
لم يحلُ لي من بعدِ وجهِك منظرٌ
كلُّ الدنيا عرضٌ وأنتَ الجوهرُ
يتبع…