لطالما احتفظت دراسة التاريخ بمكانتها المتميزة على مرّ العصور، لما لها من دور في الكشف عن هوية كلّ أمة ومجتمع. ولذلك، فإنّ الله تعالى أكّد على دراسة التاريخ والاتعاظ به، من خلال ذكر القصص في سِيَر الأنبياء، وبيان أحوال الماضين، وذكر سائر الوقائع المماثلة، ومصداقًا لهذه الحكمة البالغة: «خُذ العبرة من الماضي، وعِش الحاضر، وفكّر في المستقبل»، فإنّ المجتمع الذي يستلهم العبر من التاريخ أكثر من غيره، هو المجتمع الذي يسلك طريق الرفعة والرقي في شتى مجالات الحياة.
عندما يقلب المسلم صفحات التاريخ، يرى أن تطبيق تكتيك الدفاع المدني في مواجهة غزو العدو يُعدّ مثالًا ناجحًا لنمط من أنماط الدفاع والمقاومة في التاريخ الإسلامي، والتي اجتمع فيها الثبات على العقيدة، والإيمان الراسخ، والتخطيط السليم، في مواجهة تحديات مثل الخوف، والشك، والخيانة، والفرار، في ساحة واحدة. مقاومةٌ ترافقها حركة المسلمين المتزنة في مواجهة الأعداء، بالطريقة التي أرادها الله تعالى لهم ولنبيّه ليواصلوا الكفاح، ويثبتوا الدين في الأرض.
ولذلك، لا يليق بالمسلم أن يكون غير مبالٍ بتاريخ بلاد الإسلام، أو أن يتعامل معه بتساهل ولا مبالاة، لأنّ هذا السلوك سيحرمه من الاستفادة من تجارب كثيرة، وتعلّم عدد كبير من الدروس والعبر. ومن ثمّ، فإنّ التاريخ الإسلامي غنيّ بالمضامين في جوانبه المختلفة، ويُشبه من هذه الزاوية أرضًا خصبة، يمكن أن تكون مدخلًا ثمينًا للعديد من الدروس والمواضيع المفيدة.
المقدمة:
إن تطبيق تكتيك الدفاع المدني في مواجهة غزو العدو يُعدّ مثالًا ناجحًا لنمط من أنماط الدفاع والمقاومة في التاريخ الإسلامي، والتي اجتمع فيها الثبات على العقيدة، والإيمان الراسخ، والتخطيط السليم، في مواجهة تحديات مثل الخوف، والشك، والخيانة، والفرار، في ساحة واحدة. مقاومةٌ ترافقها حركة المسلمين المتزنة في مواجهة الأعداء، بالطريقة التي أرادها الله تعالى لهم ولنبيّه ليواصلوا الكفاح، ويثبتوا الدين في الأرض.
وهذا التكتيك مضبوط جدًا، وذو قيمة عالية واستراتيجي. ولذلك، فمن الناحية الثقافية، الحرب بين الحق والباطل، والنور والظلمة، والتقدم والتخلف، ومن الناحية السياسية والعسكرية، هي تغيير في التكتيك واعتماد أسلوب جديد للنضال في مراكز القوى وتغيير الهياكل والقواعد المتعارف عليها، مما قد يؤدي إلى نتائج مرضية في حماية مصالح الإسلام.
وفي هذا المكتوب نبدأ بصمود أهل المدينة المنورة في مواجهة الأحزاب، ثم نشرح مقاومة مدينة حلب ضد الصليبيين، ومقاومة مدينة الموصل ضد جيوش المغول، وأخيرًا نعرض ثبات شعب ماردين في جزيرة الفرات ضد جيش التيموريين الأشداء.
صمود بعض البلاد الإسلامية في وجه الغزاة:
هذه المدن الأربع ذُكرت هنا كمثالٍ ناجح على الصمود والمقاومة، إذ يمكن الإشارة إلى العديد من المدن الإسلامية الأخرى التي صمد سكانها بعزيمة لا توصف في وجه غزو الأقوام الأجنبية، فحطموا عظمة جيوش العدو، أو أبطأوا تقدم وغزو التتار. لقد تركت المقاومة الحضرية دورًا بارزًا في تغيير موازين وخطط الحرب، بحيث يمكن أن تكون موضوعًا غنيًا للكثير من التحليلات والمباحث العلمية.
رواية قصيرة عن صمود أهل المدينة في وجه الأحزاب:
كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقيس دائمًا القدرة العسكرية للشعب أمام التهديدات المحتملة بناءً على معادلات عسكرية دقيقة. ولهذا السبب، عندما علم بقصد مشركي مكة الانتقام من المسلمين وعرف أنهم يريدون تعويض هزيمتهم في بدر قبل عام بهجوم على المدينة، بذل جهده ليُفهِم الناس أن الرد الأنسب على هذا «مع الأخذ في اعتبار الوضع والقدرة العسكرية» هو البقاء في المدينة، وبعد أن يقيم قريش معسكرًا قرب المدينة، شنوا هجومًا مباغتًا عليهم، أو سمحوا لهم بدخول المدينة ثم ألحقوا أكبر خسائر بهم داخلها مع أقل تكلفة ممكنة.
ومع ذلك، أصرّ عدد من المسلمين الذين فاتهم فضل الجهاد في غزوة بدر، وكذلك بعض الشباب الذين لم تسمح لهم قوتهم وغيرة شبابهم بأن يدركوا حكمة اقتراح الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، على الخروج من المدينة ومواجهة العدو في الميدان، وطلبوا منه صلى الله عليه وسلم الإذن بالخروج، خشية أن يُتّهموا بالضعف والجبن! وقد انضمّ إليهم بعض كبار الصحابة بحجة أن بقاء المسلمين داخل المدينة قد يعزز من معنويات العدو، وذكّروا بانتصار المسلمين في بدر رغم قلة عددهم، معربين عن أملهم في تحقيق نصر جديد بالخروج من المدينة وملاقاة العدو وجهاً لوجه.
وكان الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، على علم بعزيمة أصحابه القويّة، وروحهم الإيثاريّة، وشوقهم لملاقاة الأعداء، ولئلّا يتحوّل هذا الخلاف في الرأي إلى منازعة تُضعف صفوف المسلمين المتراصّة، لبّى رغبتهم، وطلب منهم أن يستعدوا للخروج من المدينة مقتدين بمجاهدي بدر، ثم عاد صلى الله عليه وسلم إلى بيته ولبس لأمَة الحرب وقلّد سلاحه.
وأثناء ذلك، عاد بعض المسلمين الذين كانوا من قبل يُصِرّون على الخروج من المدينة، فلمّا رأوا الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم قد لبس لامة الحرب، ظنّوا أنّ مخالفة رأي النبيّ ليست بالأمر اللائق، وخشوا أن يكون قد وافق على طلبهم كُرهاً وتضايقاً، فذهبوا إليه وطلبوا منه أن يعود إلى رأيه الأوّل في البقاء والدفاع داخل المدينة. ولكنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم أجابهم بجواب حاسم يليق بمقام قائد عظيم ورسول من عند الله، فقال: «لا ينبغي لنبيّ إذا لبس لأمتَه أن يضعها حتى يقاتل، والآن، إنّما أطلب منكم أن تسمعوا وتطيعوا»[1].
وهكذا خرج الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم من المدينة بصحبة أصحابه ليواجه العدوّ في منطقة أُحد، كما فصّلت ذلك كتب التاريخ والسيرة. وأمّا في غزوة الخندق، فقد تمّ اعتماد تكتيك الدفاع المدني بشكل كامل، وقد اعتبر كثير من الكُتّاب هذه الاستراتيجية نقطة تحوّل في التاريخ الطويل للمقاومة الإسلامية، وتغييرًا تكتيكيًا فعّالًا وناجحًا في الحروب بين الإسلام والجاهلية وقد استُخدمت هذه الاستراتيجية بعد ذلك أيضًا كتجربة بارزة في الحروب المدنية من قِبل المجاهدين المسلمين.