نظرًا لأن هذه السلسلة من المقالات تركز أساسًا على سلوك الشيوعية، فإننا سنسلّط الضوء أولًا على بعض الجوانب النظرية التي تساعدنا على فهم أفضل لرؤية الشيوعيين الحاكمين للعالم، وتوضح لنا لماذا تصرفوا على هذا النحو، وكيف سعوا إلى تبرير أفعالهم؟
البيان الشيوعي
البيان هو وثيقة تُعلِن فيها جماعة أو حزب ما عن آرائه السياسية، الاجتماعية، الدينية، الفلسفية أو الأدبية، ويُعرف أيضًا باسم «الميثاق»[1].
بدأت الإيديولوجيا الشيوعية الحديثة بالتبلور خلال الثورة الفرنسية، وكان أبرز أعمالها هو «البيان الشيوعي» الذي نشره كارل ماركس وفريدريش إنجلز عام ۱۸۴۸، تحت عنوان: «التحليل العلمي للتاريخ ومسار مستقبل المجتمع البشري».
كتب ماركس وإنجلز: «تاريخ كل المجتمعات التي وُجدت حتى الآن هو تاريخ الصراعات الطبقية».
يقدم البيان الشيوعي الثورة الفرنسية كنقطة تحول تاريخية كبرى، حيث أطاحت «البرجوازية» (الطبقة التجارية الصاعدة والمتحكمة بوسائل الإنتاج) بهيكل القوة الإقطاعية، ودشّنت العصر الحديث، فقد حلّ الصراع الطبقي بين البرجوازية والبروليتاريا (الطبقة العاملة التي تبيع قوة عملها مقابل أجر) محلّ الصراع بين النبلاء والفلاحين في القرون الوسطى.
دعم ماركس وإنجلز وأنصارهما في هذا البيان وسائر أعمالهم ثورة بروليتارية عالمية، كانوا يرونها حتمية تاريخية، تمهد لعصر الاشتراكية، ثم الشيوعية، وأن هذه المرحلة النهائية من تطور البشرية ستنهي الصراع الطبقي، وبالتالي، التاريخ ذاته، وسيعيش الناس في مجتمع متوازن بلا طبقات، بلا ملكية، بلا دين أو هياكل أسرية، حيث تختفي الدولة أيضًا.
كما يقول الشعار الشيوعي الشهير: «من كلٍّ حسب طاقته، ولكلٍّ حسب حاجته».
يمكن تلخيص المدرسة الماركسية في ثلاث أسس:
1.كنظرة شاملة لتاريخ البشرية (الفلسفة الماركسية).
2.كتطبيق هذه الرؤية على النظام الرأسمالي (الاقتصاد الماركسي).
3.كالتنبؤ الحتمي بالتغيير الاجتماعي انطلاقًا من تناقضات هذا النظام (ثورة ماركس).[2]
بالتالي، تقوم الماركسية على ثلاث مبادئ رئيسية:
۱.نظرية عقلانية تقوم على الجدل (الديالكتيك).
۲.تفسير التاريخ من خلال الاقتصاد، أي أن البنى التحتية الاقتصادية تحدد مجمل الظروف الأخرى، وهو ما يُعرف بالمادية التاريخية (فلسفة ماركس).
ويمكن أيضا إضافة «المادية» كمبدأ رابع، وإن لم تكن جزءًا جوهريًا من الماركسية؛ فاليوم، لا تُعتبر المادية شرطًا لازمًا لها، خصوصًا أن هناك من يؤمن بالماركسية دون أن يكون ضد الدين أو الإله، كما هو حال كثير من المفكرين الأوروبيين المعاصرين.
الماركسية
معظم ما يُسمى بالماركسية الكلاسيكية يقوم في الواقع على أفكار ماركس وزميله فريدريش إنجلس؛ ومع ذلك، كان ماركس الشريك المهيمن في هذه العلاقة الفكرية، ولذلك نتبع العرف السائد ونصف حتى أعمالهم المشتركة بأنها أعمال ماركسية.
هنا سيكون التركيز أكثر على شخصية ماركس نفسه؛ مثل أي مفكر آخر، من المهم أن نرى ماركس في سياق الزمان والمكان ونرافقه لنفهم جوهر وجوده. وُلد ماركس في زمن كانت الثورة الصناعية وتوسع الرأسمالية قد بدأتا منذ فترة في أوروبا الغربية، وتحديدًا في مكان يُعرف الآن بألمانيا؛ رغم أنه قضى معظم فترة شبابه في إنجلترا. في ذلك الوقت، كانت تبعات الثورة الفرنسية (۱۷۸۹) لا تزال مشهودة في جميع أنحاء أوروبا؛ كما شهدت حياته عدة مراحل ثورية أخرى، خاصة في أعوام ۱۸۳۰، ۱۸۴۸-۱۸۴۹، و۱۸۷۱، كان ماركس منجذبًا لهذه اللحظات الثورية، وكان يعتقد أنه قادر على إدراك أنماط التطور التاريخي، حيث تتشكل هذه الأنماط كرد فعل على الأحداث والتغيرات، وعندما يحدث رد فعل ما، تتبعه بدوره ردود أفعال أخرى، مما يخلق حالة من التأثير والتأثر المتبادل، لهذا السبب، يُقال إن منهج ماركس في النظر إلى التاريخ هو منهج جدلي، بمعنى أنه يرى التاريخ من خلال الصراع أو التفاعل بين الأفعال وردود الأفعال، وفي الوقت ذاته، إيمانه بوجود قوانين يمكن التعرف عليها لتقدم التاريخ جعل الكثيرين يصفونه بالمؤرخ، ويطلقون على منهجه في التاريخ مصطلح «المادية التاريخية»، وهذا المصطلح الأخير يحتاج إلى تفسير.
في محاولة لتفسير طبيعة الواقع، غالبًا ما يُصنّف الفلاسفة إلى فريقين: المثاليون والماديون. الجوهر الأساسي للمصطلح الأول هو كلمة «الفكرة»، ففي هذا النهج، العالم من حولنا هو تجلٍ للأفكار والمفاهيم، فهذه الأفكار هي التي تشكل الواقع وليس مظاهرها الدنيوية، وأشهر الفلاسفة المثاليين هو الفيلسوف الألماني «جورج فيلهلم فريدريش هيغل» وعلى الرغم من أن ماركس تأثر بشدة بهيغل، إلا أنه تبنى منهجًا مختلفًا تمامًا عنه فيما يتعلق بالواقع. من وجهة نظر ماركس، الواقع هو العالم الفيزيائي أو المادي المحيط بنا، وطريقة تواصلنا مع هذا الواقع هي التي تحدد أفكارنا وإدراكنا. كيف نرى هذا العالم، أو بعبارة أخرى، كيفية إدراكنا وتفسيرنا للواقع المادي تختلف باختلاف من نحن، ومتى وأين نعيش. فمثلاً: إدراك أو تصور شخص مقيم في نيويورك في القرن الحادي والعشرين، مع ناطحات السحاب والطرق السريعة والمترو المكتظ وتلوث نوادي الجاز، يختلف عن مفهوم المدينة عند شخص عاش في القرن الخامس عشر في فلورنسا أو أثينا في اليونان القديمة. تختلف الطبيعة المادية لهذه المدن الثلاث في فترات مختلفة اختلافًا كبيرًا، وكل منها يؤثر بدوره على كيفية إدراك مفهوم المدينة. لكن ماركس كان يؤمن بأن هناك أكثر من الأبعاد الزمنية والجغرافية لتفسير هذه الفروقات في التصورات. كان حجته أن موقع الفرد في المجتمع يؤثر أيضًا على فهمه للعالم؛ فمثلاً: مالك المصنع يراه بنظرة تختلف عن العامل فيه؛ فبالنسبة للمالك قد يكون المصنع علامة على الإنجاز الشخصي والهيبة والدخل العالي، أما بالنسبة للعامل فقد يُعتبر مكانًا للاغتراب عن الذات والعمل الشاق مقابل دخل زهيد[3].