
الكاتب: الدكتور فضل أحمد أحمدي
الاشتراكية (الجزء الثالث)
مقدمة عن الاشتراكية
على الرغم من إمكانية إرجاع الأفكار الاشتراكية إلى «الليفيلرز (Levellers)» و«الديغرز (Diggers)» في القرن السابع عشر، أو إلى المدينة الفاضلة لتوماس مور، أو حتى إلى جمهورية أفلاطون، إلا أن الاشتراكية كعقيدة سياسية لم تتبلور إلا في أوائل القرن التاسع عشر. في الواقع، نشأت الاشتراكية كرد فعل على ظهور الرأسمالية الصناعية، وكانت في البداية تدافع عن مصالح الصناعيين والحرفيين الذين تعرضوا للخطر نتيجة توسع الإنتاج في المصانع، لكنها سرعان ما تحالفت مع الطبقة العاملة الصناعية، أو ما يسمى بـ«غذاء المصنع»، في بدايات العصر الصناعي.
بعبارة أخرى، الاشتراكية، مثل كثير من المفاهيم الأخرى، حديثة العهد نسبيًا في القرون الأخيرة، وقد ظهرت هذه التسمية في مدارس فكرية مختلفة بشكل مستقل، لكنها نشأت في ظل ظروف وأوضاع متشابهة. في الربع الثاني من القرن التاسع عشر، استُخدم هذا المصطلح في إنجلترا وفرنسا لتحديد حركة نشأت نتيجة الثورة الصناعية وتأثيراتها السياسية والاقتصادية.
كما ذُكر، كان مذهب «روبرت أوين» من المبدئين الرئيسيين للاشتراكية في إنجلترا، وهو الذي صاغ المصطلح، ففي عام ۱۸۳۵، أنشأ أوين جمعية تضم طبقات مختلفة من عدة أمم، وانتشر هذا المصطلح خلال نقاشات ذلك المذهب، ثم توسع وأخذ أبعادًا متعددة.
أما في فرنسا، فقد استخدم «بيير لارو»، من أتباع مذهب «سان سيمون»، المصطلح لأول مرّة بشكل مستقل تقريبًا وبمعناه الدقيق نسبيًا. كان أتباع مذهب الفردوية (individualists) يؤمنون بأصالة الفرد ويرون المجتمع تابعًا له. لكن عالم الاجتماع اللاحق استخدم مصطلح الاشتراكية معارضًا للمبالغة الفردوية، مؤكدًا على أولوية المجتمع. وهناك كتّاب آخرون في ذات العصر، ولكن قبل ذلك قليلًا، استعملوا المصطلح، وإن لم يكن بالمعنى الاجتماعي الدقيق الذي نفهمه اليوم؛ فمثلًا كان هناك تمييز بين الاشتراكية الكاثوليكية والاشتراكية البروتستانتية.
من ناحية أخرى، تُعتبر الاشتراكية تمردًا ضد الفردية والليبرالية الاقتصادية في العصر الحديث، وأهم عنصر مشترك في جميع النظريات الاشتراكية هو التركيز على تفضيل المجتمع على الفرد، وتقديم المصلحة العامة على المصلحة الفردية. لذا، تعد الاشتراكية، بتاريخها الطويل نسبيًا، من أبرز الأفكار السياسية التي شهدت تطورات مهمة عبر العصور، وتحوي عناصر وفروعًا متعددة، وعلى الرغم من أن لها اليوم عددًا محدودًا من الأتباع وقوة اقتصادية وعسكرية ضعيفة، إلا أنها تبقى من المعتقدات السياسية التي رسخت مكانتها عبر التاريخ وستستمر في ذلك.
يتبع…