الكاتب: محمدعاصم إسماعیل‌زهي

الإسلام والتعامل الإيجابي مع العلم

(الجزء الثاني)

 

الارتقاء العلمي للمسلمين
بعد أن انتقى المسلمون أفضل العلوم والفنون المعاصرة في ذلك العصر، وحصلوا بجهود متواصلة وباستخدام أفضل المترجمين والعلماء – وإن كان كثير منهم غير مسلمين وماديين – على أرقى وأكفأ العلوم والفنون في المجالات المادية، وتمكنوا خلال فترة قصيرة نسبياً من بلوغ قمة العلم والمعرفة في زمانهم، ليستفادوا منها في تحقيق أهدافهم الدينية.
ومع أنهم أولوا اهتماماً كبيراً للعقل والحكمة في طلب العلوم، فقد أصبحوا أنفسهم، بعد فترة، حاملي شعلة قافلة العلم والصناعة، وتفوّقوا في مجالات علمية وفكرية وثقافية مختلفة، فتهيأت بيئة نشأ فيها أشهر العلماء المسلمين في قلب الحضارة الإسلامية الناشئة، ووصلوا إلى ذروة النبوغ والعبقرية.

لم يكتفِ المسلمون في مختلف العلوم والفنون بترجمة كتب أصحاب الأديان الأخرى والملحدين، بل بجهودهم في مسار هذه الأهداف ألفوا كتبًا عظيمة وغنية وحيوية في مجالات الطب، والمحاسبة، وعلم النبات، والجيولوجيا، والفيزياء، والهندسة، والفلك، والهيئة وغيرها. بالإضافة إلى ذلك، تُعد مؤلفاتهم في العلوم الإسلامية والإنسانية وازدهارها – والتي هي موضوع مستقل وموسع – نماذج قيّمة من بحوثهم العلمية التي ما زالت العلوم الحديثة ممتنة لها، ويشرق أسماءهم على صرح العلم والمعرفة.

يكتب الدكتور سيد حسين نصر: الحضارة الإسلامية خلال سبعمائة عام، من القرن الثاني إلى التاسع الهجري، ربما كانت أكثر الحضارات إبداعاً في مجال العلم، وكانت العلوم الإسلامية في طليعة النشاطات في مجالات متعددة من الطب إلى الفلك.[١]

يكتب أمير البيان شكيب أرسلان: بعد أقل من خمسين سنة من وفاة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، تُرجمت الكتب اليونانية المشهورة إلى العربية.[٢]
وقد تنافس الخلفاء الإسلاميون في ذلك العصر، بعد تقسيم الدولة الإسلامية إلى ثلاث مجموعات، (العباسيون في آسيا، والفاطميون في مصر، والأمويون في الأندلس) في مجال العلوم والمعارف والآداب، وكانوا يسعون للتفوق في هذه المجالات.[٣]

يقول لوكليرك Leclerc (الطبيب الشهير في جنوى): لم يكن القرن التاسع الميلادي قد انتهى حتى استولى العرب على جميع علوم اليونانيين، وأصبحت بغداد مركز نهضة العقلانية، وازداد عدد مؤسسات الترجمة فيها، ووصلت طليطلة في القرن الثاني عشر من المرتبة إلى ما كانت عليه بغداد في القرن التاسع، وهما كانتا أكبر وأهم مراكز الترجمة وإعادة نشر النظريات العلمية، وكان في بغداد مئة مترجم يترجمون الكتب اليونانية إلى العربية والسريانية. [٤]
وهنا نذكر بعض إنجازات المسلمين في ميادين العلم والمعرفة:
كان للمسلمين، تعلق شديد، وشوق كبير، للعلوم والفنون مع فهم عميق للمفاهيم العلمية الرفيعة، مما دفعهم لترك آثار مكتوبة خالدة، وإنجاز أعمال عظيمة ومعتبرة في هذا المجال.
كتب محمد بن موسى الخوارزمي في الرياضيات كتابًا اسمه «الحساب» الذي لاقى اهتمام علماء الرياضيات في العالم، وألف غياث الدين جمشيد الكاشي في مجال نظرية الأعداد والقسمة العشرية والحساب كتابًا بعنوان «مفتاح الحساب» الذي عبّر عن ذروة براعة المسلمين، كما تُعد مؤلفات أبي الريحان البيروني نموذجًا بارزًا للدقة في العلوم، وقد كتب الخوارزمي رسالة أخرى بعنوان «الجبر والمقابلة».
وأما في مجال الفلك، قام المسلمون، بعد دراسة مؤلفات معاصريهم، بأعمال جديدة وابتكارات عملية تفوقت على السابقين، وأعدوا جداول مختلفة في الفلك عُرفت باسم «زيج»، مثل «زيج الحكمي» الذي أعده خواجه نصير وزملاؤه في مراغة في القرن الرابع الهجري، و«زيج الغ بيك» الذي نظمه الغ بيك في سمرقند في القرن التاسع. كما بنى المسلمون المراصد الفلكية.
ويقول الدكتور سيد حسين نصر: إن إنشاء المرصد كمؤسسة علمية هو في الحقيقة من اختراعات المسلمين.[٥]

وكتب قطب الدين الشيرازي في حساب حركة الكواكب كتابًا بعنوان «نهاية الإدراك» الذي كان ذا أهمية كبيرة، وفي مجال الجغرافيا قام المسلمون بأعمال عظيمة وقدموا مؤلفات قيّمة تدل على دقة نظرهم وعمق فهمهم، حيث كانت الجغرافيا أو «صورة الأرض» محور دراسة المسلمين، وكتب علماء مثل ابن حوقل والبيروني في هذا المجال. (ومن الجدير بالذكر أن كتاب «صورة الأرض» لابن حوقل موجود في مكتبة المرحوم الدكتور كامبوزيا في زاهدان _ إيران.)
وفي مجال علوم الأرض، قام ابن سينا وأبو ريحان البيروني بدراسات مهمة ونالوا مكانة متميزة.
وفي ميدان الفيزياء والبصريات، حقق المسلمون إنجازات بارزة، حيث كتب ابن الهيثم كتاب «المناظر» الذي يُعد من أرقى المؤلفات في هذا المجال، وكتب كمال الدين الفارسي، تلميذ قطب الدين الشيرازي، شرحًا على هذا الكتاب، وأولى ابن باجة الأندلسي اهتمامًا خاصًا به، كما قدّم أبو ريحان البيروني والخازني مؤلفات مشهورة في ميدان الأوزان والمقادير.

في مجال التاريخ الطبيعي، وعلم النبات، ودراسة المواد المعدنية كان للمسلمين مهارة كاملة، وكان من أشهرهم الغافقي الأندلسي، وفي علم الحيوان كتب الجاحظ كتابًا بعنوان «الحيوان» وكتب الدميري كتابًا بعنوان «حياة الحيوان».

وفي مجال الكيمياء والكيماويات حقق المسلمون إنجازات كبيرة، ولا يُنكر تفوق جابر بن حيان في هذا المجال، كما كان لمحمد بن زكريا الرازي دور راسخ فيه. وفي الطب، كتب علي بن ربن الطبري كتابًا مهمًا بعنوان «فردوس الحكمة» في القرن الثالث الهجري، وكتاب «الحاوي» للرازي له شهرة واسعة في هذا الفن، وفي النهاية كانت مؤلفات ابن سينا هي الأبرز في هذا المجال.
وفي الأندلس آنذاك، كان علم الطب قد حقق تقدمًا وانتشارًا ملحوظًا. يكتب الأمير شكيب أرسلان: كان الجراح العربي الشهير أبو القاسم الزهراوي من أبرز الأطباء في ذلك العصر، وكان رائدًا في فن الجراحة، وكتب نحو ثلاثين مجلدًا، وقد تُرجمت كتبه في الجراحة إلى اللغات الأوروبية واستخدمت على نطاق واسع.[٦].

وكان ابن رشد هو أحد أشهر الفلاسفة والعلماء الإسلاميين الذين تركوا آثارًا وأفكارًا خالدة، ومن مؤلفاته كتاب «الکليات في الطب».
وكانت حرفة الصحافة وصناعة الورق تزدهر بشكل غير مسبوق في دمشق والقاهرة وبغداد والإسكندرية، في حين لم تكن معروفة كثيرًا في البلاد الأخرى. [٧]، وأُنشئ أول مصنع للأسلحة في طليطلة. [٨]
وباختصار، كانت فترة ارتقاء وازدهار المسلمين في جزء كبير من التاريخ نتيجة حية للبحث العلمي لديهم، ولعبت الثقة بالنفس والاعتماد على الذات دورًا كبيرًا في هذا التقدم.
وفي الحقيقة، كانت هذه العناية العميقة للمسلمين بالعلوم الحديثة سببًا في فتح سبل ولادة الأفكار الجديدة والظواهر الفكرية المبتكرة أمامهم، وبفضل تعاليم الإسلام السامية والقرآن الكريم، ومع الالتزام بالابتكار المنهجي والعقلانية، تمكنوا من التمسك بأهداف الدين النهائية وتحقيق آفاق مشرقة في الفكر والفن والعلم والمعرفة.

ومن الجدير بالاعتراف أن مجرد إحياء ذكرى ذلك الازدهار والحكمة والعلو الثقافي لا طائل تحته، بل يجب أن يكون المسلمون دائمًا في ضمائرهم القوة والإبداع، متطلعين إلى آفاق العلم والمعرفة النقية في الفكر، حاملين مشعل العقلانية والمنطق في كل عصر؛ لأن طريق البحث الديني لا يسهل إلا باليقظة التامة، والوعي بأحوال العالم المعاصر، وبلوغ ذروة العزة والمجد.
ويقول الدكتور سيد حسين نصر: إن هذا التقليد الواسع يشهد على أن الإسلام في الماضي استطاع أن ينمّي أنواعًا واسعة من العلوم في أحضانه، دون أن ينفصل عن النظرة الإسلامية للعالم، ودون أن يخلق علمًا يدمّر قوانين الطبيعة ويزيل التوازن الضروري بين الإنسان والبيئة الطبيعية.
وكان أهم إنجاز لأهل العلم المسلمين هو تمكّنهم من أقوى معايير الفكر النقدي، ودفاعهم عن التماسك المنطقي، دون أن يفقدوا إيمانهم أو ينفصلوا عن النظرة الإسلامية للوجود التي نشأت فيها جميع العلوم الإسلامية. [٩]

يتبع

الجزء السابق | الجزء التالي

[١] جوان مسلمان ودنیای متجدد: ص 129، طرح نو.
[٢] حاضر العالم الإسلامي: ١/ ١٤٨.
[٣] نفس المصدر.
[٤] نفس المصدر: ١/ ١٣٠.
[٥] جوان مسلمانان و دنیای متجدد: ص ١٣٧.
[٦] حاضر العالم الإسلامي:١/ ١٣٣.
[٧] نفس المصدر: ١/ ١٣٩.
[٨]نفس المصدر: ١/ ١٥٢ .
[٩]جوان و دنیای متجدد: ص ١٥٣]
شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version