مقدمة:
انتشر الاعتزال تدريجياً بين الناس، واعتنقت هذه الفرقة أعداد كبيرة، حتى أن بعض الخلفاء تأثروا بهذه الجماعة وسلكوا طريقهم ومذهبهم. أهم الموضوعات التي نتناولها في الجزء الثاني من مقالة«من هم المعتزلة؟» هي انتشار مذهب المعتزلة، وعصرهم الذهبي، وأهمية ومكانة العقل عند المعتزلة، وخلافهم مع «أهل السنة والجماعة» حول مسألة خلق القرآن ورؤية الله تبارك وتعالى في الدنيا والآخرة.
المعتزلة في عهد الخلافة الأموية والعباسية
كما ذكرنا في الجزء الأول من هذه المقالة، فإن بعض الخلفاء العباسيين قد تحولوا إلى مذهب «الاعتزال» ودعموا هذا المذهب بكل قوة؛ يجب أن نذكر أيضًا أن من بين بني أمية أيضًا أفرادًا اختاروا مذهب الاعتزال.
جاء في كتاب «المعتزلة في بغداد وأثرهم في الحياة الفكرية والسياسية» ما يلي: أول من اختار مذهب الاعتزال من خلفاء بني أمية وكان رأيه ونظره مثل المعتزلة هو يزيد بن الوليد، كان يعتقد بصحة أصولهم الخمسة، وبعده مروان بن محمد الذي لقب بـ «الجعْدي» بسبب نسبته إلى معلمه ومربيه جعد بن درهم.
ازداد نفوذ المعتزلة يومًا بعد يوم وتأثيرهم أصبح أكثر شمولاً في هذه الفترة، لدرجة أنهم عرضوا الناس لامتحان شديد. نقرأ في الكتاب المذكور: «شهدت هذه الفترة ازدياد نفوذ المعتزلة، وقد حدث هذا في عهد خلافة المأمون والمعتصم والواثق، حيث كانوا يختبرون الناس في مسألة «خلق القرآن»، وقد سميت هذه الحادثة بـمحنة القرآن. في الواقع، كان المعتزلة طلاب هذا العلم الذين قربهم المأمون إليه وآمن بمبادئهم وسعى لعقد مجالس المناظرة لهم، لذلك أصبح للمعتزلة في عهده نفوذ كبير في عصر الخلافة العباسية، وقد جلس أمام علمائهم كتلميذ وفرض عقائد المعتزلة على الناس وامتحنهم في ذلك.
انتشار تعاليم الاعتزال في بغداد
كان قادة وكبار المعتزلة يسعون دائمًا لنشر هذا المذهب وإيصاله إلى أقصى نقاط العالم الإسلامي قدر الإمكان، لذلك قام بعض هؤلاء الأفراد بالتقرب إلى جهاز الحكم للدخول من خلاله. على الرغم من تعدد الجماعات الموجودة فيها، ظلت البصرة مركزًا لحركة المعتزلة، إلى أن تم اختيار بغداد عاصمة وازدهرت، واغتنم كبار المعتزلة هذه الفرصة واستقر بعضهم في بغداد. في عهد خلافة أبي جعفر المنصور (137-158هـ/754-775م)، ظهر المعتزلة وارتفعت مكانتهم ومنزلتهم؛ لأن عمرو بن عبيد كان صديقًا حميمًا للمنصور قبل أن تؤول إليه الخلافة، وكان المنصور يحبه ويحترمه ويطلب منه دائمًا النصح والموعظة بسبب زهده.
بلغت تعاليم الاعتزال ذروتها في عهد الخلافة العباسية في زمن الخليفة المأمون (۱۹۸-۲۱۸هـ/۸۱۳-۸۳۳م)، وقد اشتهر المأمون بالحرص على الدين واتباع الملحدين والزنادقة.
جلس المأمون أمام شيوخ المعتزلة كتلميذ واستفاد من كبار شيوخهم وقادتهم أمثال: ثمامة بن أشرس، ویحیی بن مبارک، وبشر بن غیاث المریسی، وأبو هذیل العلاف.
بلغ العصر الذهبي للمعتزلة ذروته في عام ۸۴۶م، وانتهى بانتهاء خلافة الواثق العباسي، وبعد ذلك بدأت مرحلة الضغط على المعتزلة؛ بالطبع، يجب أن نعلم أن مذهب المعتزلة لم ينته تمامًا في العالم الإسلامي؛ على الرغم من أن هذا المذهب نما وتوسع فيما بعد، خاصة في دولة آل بویه في إيران (الري) في القرن الثاني، وكذلك بعد ذلك، حتى أن وزير دولة آل بویه كان معتزليًا، ومن أكبر شخصيات المعتزلة في هذا الوقت القاضي عبد الجبار.
فكر وعقيدة المعتزلة
فيما يتعلق بالأفكار الاجتماعية والسياسية للمعتزلة، يجب القول إنها لا تقتصر على الأمور الدينية المحضة التي يعتقد المعتزلة بوجوب الاعتقاد بها؛ بل تشمل سلسلة من القضايا الطبيعية والاجتماعية والإنسانية والفلسفية التي لا تقع مباشرة في نطاق الإيمان. يعتمد المعتزلة في أفكارهم وآرائهم على العقل بشكل أكبر، فهم يدرسون معظم أمورهم من خلال نافذة العقل ويتناولونها.
يقول العلامة أبو الحسن الندوي رحمه الله: «هذه المجموعة التي تُعرف في تاريخ الإسلام بالمعتزلة، لم تتعمق في العلم ولم تجرِ فيه بحثًا، على الرغم من ثقافتهم الواسعة وذكائهم النادر، كانت ثقافتهم واسعة؛ لكنها لم تكن عميقة، وقد أخطأ الكثير منهم في فهم الحقيقة وبالغوا في تقدير سلطة العقل وحدود العلم الإنساني، كانت آراء هذه المجموعة في الدين ومباحث ما وراء الطبيعة آراءً جوفاء وخامًا، وكانت مباحث متسرعة تفتقر إلى المتانة والتدقيق، وهذا هو حال كل طائفة وجماعة في بداية مرحلتها العقلية، وإذا قُدّر لهم العيش والتقدم، فسوف يتخلون عن الكثير مما أضافوه».
يكتب صاحب كتاب «المعتزلة في بغداد وأثرهم في الحیاة الفکریة والسیاسیة»: خالف المعتزلة السلف في فهم العقائد وإدراكها، وكان أسلوبهم في فهم القضايا والعقائد أسلوبًا عقليًا محضًا، وقد حاولوا تطبيق الأحكام العقلية على العقائد الدينية، وكانت مدرستهم واحدة من أكبر المدارس العقلية في الإسلام، واعتبروا حجة العقل أحد مصادر المعرفة والإدراك.
أكد المعتزلة على العقل باعتباره الأداة الوحيدة لمعرفة الحقيقة، واعتبارهم أن حسن وقبح الأشياء عقلي هو دليل واضح على ذلك، وقد اعتمدوا بشكل أكبر على الأدلة العقلية واعتبروا العقل أفضل شاهد على المباحث الاعتقادية.
للعقل مكانة عالية جدًا عند المعتزلة، فهم يستخدمون العقل في كثير من المسائل ويقدمون العقل على النص، وللعقل مكانة خاصة في الفكر الاعتزالي أيضًا؛ على الرغم من أن المعتزلة تيار كلامي؛ إلا أن العقل من وجهة نظر هذه الفرقة له مكانة وجودية، وهو أداة لا مثيل لها في مجال المعرفة أيضًا.
عندما ندرس فكر وعقيدة المعتزلة والكتب التي كتبت في هذا الصدد، نواجه قضايا متعددة، وسنتناول في هذه المقالة أهم هذه الأقسام: قضية خلق قرآن
قضية خلق القرآن هي واحدة من أهم القضايا الخلافية بين المعتزلة وبقية الفرق والمذاهب الإسلامية، وقد بدأت هذه المسألة في بداية الدولة الأموية على يد «جعد بن درهم» المتوفى سنة 118هـ/736م، والخلافات والنزاعات حول هذه المسألة كانت تتزايد باستمرار، وفي عهد المأمون اتسع الجدال في هذه المسألة؛ بالطبع لم يفكر أحد قبل المأمون في جعلها المذهب الرسمي للدولة، وقد فعل المأمون ذلك في النهاية. لقد عذب الكثير من العلماء والدعاة والشيوخ في محنة القرآن وفرض عليهم هذه الفكرة؛ ولكن بما أن الله ناصر دينه وكتابه، فقد أنعم على العلماء الأجلاء بالصبر الذي تفقده الجبال.
يقول المعتزلة عن القرآن: القرآن الكريم هو كلام الله بلغة بني آدم، وقد نسب القرآن إلى الله تعالى، على أساس أن الله تعالى يتكلم مثل بني آدم ولا يوجد أي تشابه بين الله تعالى وبين مخلوقاته حتى نثبت لله تعالى كلامًا مأخوذًا من الحرف والصوت مثل كلام البشر. القرآن عند المعتزلة مخلوق ومحدث؛ لأن الله تعالى قادر على كل شيء، لقد كان الله قادرًا على خلق النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن ينزل عليه القرآن، بالإضافة إلى أن هناك آيات في القرآن تدل على أن القرآن قد وجد بعد وجود أحداث حدثت قبله.
غزوة بدر وقعت قبل أن تنزل آيات القرآن بشأنها وتُتلى. المرأة التي جادلت رسول الله صلى الله عليه وسلم بشأن زوجها، نزلت آيات القرآن بعد جدالها، والعقل لا يدل على قدم القرآن على الأحداث المذكورة فيه.
يقول الأشاعرة في هذا الصدد: القرآن كلام الله تعالى وهو قديم مثله، والأوامر والنواهي التي في القرآن قديمة أيضًا.
أبو لهب المذكور في القرآن كان في علم الله تعالى أنه لن يؤمن؛ فكتب الله عنه في القرآن قبل أن يخلقه؛ وكذلك في بقية المسائل، فإن هذه المسائل كانت موجودة في علم الله تعالى قبل وقوعها.
يتفق جميع المعتزلة على أن القرآن مخلوق. يحتج القاضي عبد الجبار [أحد كبار علماء المعتزلة] لإثبات مذهبه ومذهب المعتزلة في هذا الشأن ويكتب: «مذهبنا في هذا الشأن هو أن القرآن كلام الله تعالى ووحيُه، القرآن مخلوق ومحدث».
وقد قدموا أدلة عديدة لتأييد كلامهم، ومن أبرز أدلتهم في هذا الشأن هذه الآية القرآنية: «الله خالق كل شيء»؛ [الزمر:62] يقولون: هذه الآية تفيد العموم، وبما أن القرآن شيء أيضًا؛ فهو داخل في عموم «كل»، وبالتالي فهو مخلوق؛ لأنه لا يوجد دليل هنا على أن نخرج القرآن من عموم هذه الآية؛ فيجب أن يدخل في هذا الحكم.
وقد أُعطيت عدة صور للرد على استدلالهم بهذه الآية، وسنذكرها فيما يلي: لا شك أن هذا الكلام منهم من الأمور العجيبة؛ لأن جميع أفعال العباد عندهم غير مخلوقة من جانب الله تعالى؛ بل العباد أنفسهم يوجدون أفعالهم والله تعالى لا يخلقها، لقد أخرجوا أفعال العباد من عمومية «كل» في حين أن هذه الأفعال تعتبر شيئاً أيضاً؛ لكنهم أدخلوا كلام الله تعالى في عمومها مع كونه صفة من صفات الله المتعال.
يقول الله المتعال: {إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون} [النحل:[40] ؛ فلو كان القرآن مخلوقاً؛ لاستعمل الله المتعال للقرآن أيضاً كلمة «كن«، والقرآن قول الله تعالى ومن المحال أن يكون قوله مقولة؛ لأن هذا يوجب قولاً ثانياً، والثاني يؤدي إلى قول ثالث، وهكذا يستمر إلى ما لا نهاية ويلزم التسلسل والتسلسل باطل.
من هذا القول «القرآن مخلوق» يلزم أن تكون جميع صفات الله المتعال مخلوقة مثل العلم والقدرة … وهذا كفر صريح وواضح؛ لأن علمه وقدرته وحياته تعالى شيء؛ فهو داخل في عمومية كلمة «كل»، وبعد أن لم يكن مخلوقاً يصبح مخلوقاً، والله المتعال أعلى وأجل مما يقولون عنه.
شيء آخر هو أن موقف المعتزلة بشأن القرآن الكريم يخالف اعتقاد وتصديق «أهل السنة والجماعة»، يقول الإمام الطحاوي رحمه الله: «القرآن كلام الله المتعال، ظهر من طرف الله تعالى بلا كيف كقول وكلام، وأنزل الله تعالى به على رسول الله وحياً، والمؤمنون صدقوه في هذا الأمر وتيقنوا أن القرآن حقاً كتاب الله تعالى، ليس مخلوقاً ككلام المخلوقات».
يقول عمرو بن دينار: «لقد أدركت أصحاب الأنبياء صلى الله عليه وسلم والذين كانوا بعدهم لمدة سبعين عاماً وكانوا يقولون: الله تعالى خالق وكل شيء سوى الله مخلوق والقرآن كلام الله تعالى جاء من عنده تعالى وإليه يعود».
يقول ابن أبي العز الحنفي: «أجمع أهل السنة جميعاً من المذاهب الأربعة وبقية السلف والخلف على أن كلام الله غير مخلوق».
محنة خلق القرآن
توسعت هذه المسألة في عهد الخليفة المأمون حتى أجبر الناس على تبنيها؛ لأنه كان متفقًا مع المعتزلة في هذا الشأن وميالًا لآرائهم ونظرياتهم. حتى أنه في سنة 213 هـ أرسل رسالة إلى نائبه في بغداد وأمره بأن يمتحن القضاة والمحدثين وجميع أهل العلم بهذا القول. كما أمره بأن يأخذ عهدًا من القضاة بأنه لا تقبل شهادة من لا يقول بخلق القرآن، وأن يعاقب من لا يقبل هذا الرأي، وقد أحدث فعله هذا فتنة كبيرة جدًا، ومن العلماء الذين ابتلوا بهذه الفتنة الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله، لكنه ثبت على الحق واستقام.
استمرت هذه المسألة في عهد ثلاثة خلفاء عبّاسيين (المأمون، والمعتصم، والواثق)، ولكن في سنة ۲۳۲ هـ / ۸۴۶ م، عندما بويع الخليفة المتوكل للخلافة، لم يبدِ أي اهتمام تجاه هذه المسألة. فقد وضع المتوكل حدًا لمسألة خلق القرآن ومنع الناس من المناظرة والمباحثة فيها.
كانت فتنة خلق القرآن إحدى الفتن الكبرى وأحد الاختبارات الكبيرة للأمة، حتى أن العلماء قد قارنوها بفتنة الردة التي حدثت في بداية خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وكان اختبار العلماء والكبار في هذا الامتحان صعبًا وشاقًا للغاية. قال علي بن المديني، أحد أئمة الحديث في عصره وأحد أساتذة الإمام البخاري رحمه الله، عن هذه الفتنة وصمود الإمام أحمد بن حنبل: «إن الله تعالى أعز هذا الدين في زمن الردة بأبي بكر الصديق رضي الله عنه، وفي زمن محنة خلق القرآن بالإمام أحمد بن حنبل رحمه الله».
أود أن أنهي هذا الجزء من المقال بأقوال مفكر القرن العشرين، والمفكر والداعية المسلم الكبير العلامة السيد أبو الحسن الندوي رحمه الله، عن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله. يكتب عن الامتحان والاختبار الذي وقع فيه الإمام: «لا شك أن محنة خلق القرآن كانت مصيبة كبيرة وامتحانًا كبيرًا جدًا في الإسلام، وقد أزالها الإمام أحمد رحمه الله في أوج نشاطه وفعاليته، وحفظ هذا الدين من أن يكون لعبة بأيدي العابثين أو أن يفعل فيه كل شخص ما يشاء. لقد حمى الأمة من أن تكون تحت سيطرة الملوك الشباب المتحمسين والمتهورين وجلسائهم، وأن يفرضوا عليها عقائدهم وآرائهم كما تفرض الضرائب، وأن يسوقوها نحو شهواتهم كما تساق الأنعام. وأعاد إلى العقيدة الإسلامية أصالتها وكرامتها، فاستحق بفعله هذا تقدير الإنسانية وشكر المسلمين وثناء الأجيال القادمة وتكريم التاريخ، وهو جزء من المجددين الكبار للإسلام».