إن السياسة تعني تدبير الشؤون العامة، والدبلوماسية، باعتبارها فرعًا من علم السياسة، تتناول الشؤون العامة في المجال الدولي، وتهدف هي إلى إيجاد أساليب تفاوضية وفنون تواصلية تساعد الفاعلين الدوليين على متابعة مطالبهم المشروعة بأقل تكلفة ودون عنف. إن طبيعة الدبلوماسية تقوم على المهارة والتقنية، ونظرًا لارتباط هذا المجال بالبيئة الفوضوية الدولية، فإن دور الأفكار والمبادئ والطموحات فيه أمر حيوي، وقد قدّم الإسلام، استنادًا إلى المبادئ والأحكام الأخلاقية المأخوذة من القرآن والحديث، نماذج لحياة جماعية وقواعد لإدارة الشؤون العامة في الفقه والحكمة والوصايا والعرفان.
الدبلوماسية هي برنامج من الأنشطة تُنفَّذ من قبل صانعي القرار في دولة ما عند التعامل مع دول أخرى أو مؤسسات دولية، من أجل تحقيق أهدافهم. فالدبلوماسية في الحقيقة هي إدارة العلاقات بين الدول وغيرها من الفاعلين الدوليين، وهناك تعريف آخر يعتبر الدبلوماسية بأنها صياغة وتنفيذ السياسة الخارجية.
المقدمة
الدبلوماسية تتولى إدارة العلاقات الدولية من خلال الحوار والتفاوض، وليس من الصواب حصرها في البعثات الدبلوماسية أو السياسة الخارجية فقط، فالدبلوماسية هي إحدى وسائل توجيه الحوار وتنظيم العلاقات بين الدول وسائر الفاعلين الدوليين، ولذلك فإن مفهوم الدبلوماسية أوسع من مجرد إدارة العلاقات الدولية أو السياسة الخارجية أو الخدمات الدبلوماسية. وقد أثبتت الدبلوماسيات الناجحة كيف يمكن لدول تبدو ضعيفة ماديًا أو معنويًا أن تحمي نفسها من المخاطر الجسيمة باستخدام هذا الأسلوب، وأن تبقى بعيدًا عن الأحداث كما لو كانت دولة قوية، وتُسهم هي أيضًا في تقليص التهديدات، مما يوفر بيئة مناسبة لإبراز صورة قوية للحكومة. وفي لغة السياسة الحديثة، تُعد الدبلوماسية شبكة العلاقات التي تربط دولة بأخرى، وتشمل الأنظمة والسياسات التي تنظم هذه العلاقات. وبعبارة أخرى، فإن الدبلوماسية تمثل السياسة الخارجية للدولة، والدوافع والأهداف التي تنبع منها.
نريد بهذا المعنى أن نشرح «الدبلوماسية» من حيث نشأتها في الإسلام وبعض أنظمتها وتشريعاتها، ونبيّن بعض جوانبها وتطوراتها، ونعرض جزءًا من أحداثها التاريخية من السفارات والعلاقات المتبادلة بين الشرق والغرب، وبين الإسلام والمسيحية.
انتهز الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم في صدر الإسلام، بعد صلح الحديبية، وفتح باب المفاوضات مع حكام ذلك الزمان ورؤساء القبائل والزعماء الدينيين من النصارى في العالم آنذاك، وسعى لعرض دين الإسلام على شعوب العالم. وقد بدأت الدبلوماسية بالمكاتبات والرسائل من رسول الإسلام الكريم صلى الله عليه وسلم بهدف دعوة الأمراء والسلاطين ورؤساء القبائل والشخصيات البارزة في المجالين الروحي والسياسي.
مفهوم الدبلوماسية
الدبلوماسية هي كلمة ذات أصل يوناني «Diploma»، وتعني وثيقة أو لفافة مكتوبة كانت تُمنح بموجبها امتيازات خاصة لأشخاص معينين. وفي الأزمنة اللاحقة، استُخدمت هذه الكلمة للإشارة إلى المراسيم أو الوثائق الرسمية التي تُمنح للسفراء ومبعوثي الدول. ومع توسع العلاقات الخارجية وتزايد الحاجة إلى حفظ الوثائق، أصبح من الضروري الاستعانة بأشخاص يتولون هذا الشأن، وأُطلق عليهم اسم «دبلوماسيين»، وأُطلق على نشاطهم اسم «الدبلوماسية». ويعود المفهوم الحديث لكلمتي «الدبلوماسية» و«الدبلوماسي» إلى أواخر القرن الثامن عشر. وعلى الرغم من وجود اتفاق نسبي على معنى الدبلوماسية، فقد قُدمت تعريفات متعددة ومختلفة لها، يُشير بعضها إلى طبيعتها، فيما يُبرز البعض الآخر خصائصها الخاصة. ومعظم هذه التعريفات تختلف في الألفاظ فقط، لا في المعنى الأساسي.
ومن مجموع التعاريف المتعلقة بالدبلوماسية، يمكن استنتاج أن الدبلوماسية ذات طابع سلمي، ومن أبرز خصائصها التفاوض والحوار، كما أن إقامة السلام والمحافظة عليه والحياة السلمية تُعدّ من الأهداف الأساسية لهذا النشاط، وتُمارس جميع هذه الأنشطة في نطاق يُعرف بالسياسة الخارجية. لذلك، وبغض النظر عن الجدل اللفظي، وبالاعتماد على أهداف وخصائص الدبلوماسية الأساسية، يمكن تقديم التعريف التالي: «الدبلوماسية هي استخدام الدول للأساليب السلمية مثل الحوار والتفاوض لتحقيق أهدافها». ونتيجة لذلك، يُطلق مصطلح «الدبلوماسي» على الأشخاص الذين يضطلعون بهذه الأنشطة نيابة عن الدولة.
وفي البحوث الفقهية، يُستخدم مفهوم «السيرة» في مقابل «الحديث». فـ«السيرة» تُطلق على سلوك النبي الكريم (صلى الله عليه وسلم) وتصرفاته، بينما «الحديث» يُشير إلى أقواله. ومجموع الاثنين يُسمى «السُّنّة»، وهي من مصادر الاجتهاد لدى فقهاء الإسلام، وإن وُجد في بعض الحالات خلاف في الرأي.
إن السيرة في اللغة تعني الطريق، والحال، والمنهج، والإجلاء، والسياحة، ومن ثم، فإن المعنى اللغوي يتضمن الحركة والسعي المنظم (السعي والجد والنشاط). وأما في أبواب الفقه، فتُستخدم السيرة بمعنى التعامل، وهو يشمل التعامل الخارجي (أحكام الحرب والسلم والعهود) والداخلي أيضاً، وبهذا المعنى، فإن السيرة أوسع من مفهوم الجهاد. وعليه، فالسيرة هنا تشير إلى النماذج السلوكية والعملية للنبي الأكرم (صلى الله عليه وسلم) في المجال السياسي وفي إطار التعامل الخارجي مع غير المسلمين والمجتمعات غير الإسلامية.