
الكاتب: خالد یاغیزهي
الزاهد الحقيقي (الجزء الثاني)
مشهدٌ في الرقة:
تبدأ هذه الرواية من مدينة الرقة، التي لم تكن في ذلك الزمن قرية صغيرة، بل كانت مدينة عظيمة، بقصورٍ فاخرة وسكانٍ كثيرين. كانت الرقة ملجأ هارون الرشيد، أعظم ملوك العالم في ذلك الزمن. فعندما كان هارون الرشيد يميل إلى حياة البادية، كانت حياة العرب الأولى النقية، الممزوجة بعظمة الدنيا، ترافقه.
دخل موكب الخليفة، وخرج الناس لاستقباله، وأحاطوا بقصره طمعًا في رؤية وجهه أو نيل هدية منه. وكانت زوجاته وجواريه معه، يطلعن من النوافذ إلى الحشود والضجيج، ويشعرن بالفخر والفرح. وذات يوم، لاحظن أن الناس يسرعون بالانصراف من حول القصر متجهين نحو أبواب المدينة، وكأنهم بانتظار قدوم شخص ما. فسألن بدهشة: من هذا الذي سيأتي حتى ينسى الناس الخليفة وموكبه وهداياه؟
فأجابوا: عالم من خراسان قادم. فسألن مرة أخرى: من هذا العالم؟ وماذا يريد الناس منه؟ فقالوا: الناس يأتونه ليسألوه عن دينهم. فقالت النساء: والله، هذا هو الملك الحقيقي، لا هارون الرشيد الذي يأتيه الناس من أجل المال أو تحت الضغط والإكراه. أما هذا العالم الخراساني، عبد الله بن المبارك، فهو من عجائب الدنيا.
مكانة ابن المبارك بين المحدّثين
عاش ابن المبارك في عصر تدوين الحديث، في زمن كانت فيه مجالس الحديث قائمة في أرجاء بلاد الإسلام، وكان هناك العديد من المحدّثين في زمانه وفي العصور التالية. في ذلك العصر، وُجدت أئمة في علم الحديث لا نظير لهم، فلننظر إلى أقوال بعض المحدّثين الكبار في ابن المبارك:
قال أحمد بن حنبل، نصير السُنّة والصابر على البلاء، الإمام العظيم وصاحب «المسند»: ما طلب أحدٌ الحديثَ في زمان ابن المبارك أكثر منه.
هذا الإمام النسائي، أحد مؤلفي الكتب الستة الذين خُلدت أسماؤهم وآثارهم، يقول: لم يكن في ذلك الزمان أحد أعظم من عبد الله بن المبارك.
أتعرِفون عبد الرحمن بن مهدي؟ ذاك الذي قال عنه الإمام الشافعي: «ما رأيت في الدنيا مثلَه». يشهد عبد الرحمن بأن أئمة الحديث أربعة: سفيان الثوري، ومالك بن أنس، وحماد بن زيد، وعبد الله بن المبارك. ويقول أيضًا: «ما أحدٌ أعلم بالحديث من سفيان، ولا أعقل من مالك، ولا أعرف بالتمييز من شعبة، ولا أنصح لهذه الأمة من عبد الله بن المبارك».
بل ويُفَضِّل عبد الرحمن ابن المبارك على سفيان الثوري، فيقول: «كان ابن المبارك أعلم من سفيان الثوري».
ولما قيل له:«الناس يقولون غير ذلك»، أجاب: «الناس لم يختبروا، وأما أنا فما رأيت مثل ابن المبارك».
ولما ذهب عبد الرحمن بن مهدي إلى بغداد لبيع داره، جاءه أصحاب الحديث وسألوه: «قد جلست إلى سفيان الثوري وسمعت منه، وسمعت من عبد الله أيضًا، فأيهما أفضل؟»
فأجاب: «ماذا تقولون؟ لو اجتهد سفيان كل اجتهاده ليكون مثل عبد الله يومًا واحدًا، لما استطاع».
وقال علي بن المديني: «كان علم عبد الله بن المبارك أوسع من علم عبد الرحمن بن مهدي».
وقال يحيى بن آدم: «كنت إذا أردت مسألة دقيقة فلم أجدها في كتب ابن المبارك، يئست من وجودها في غيرها».
وقال سفيان: «كنت أتمنى أن أكون في حياتي كلها مثل عبد الله بن المبارك سنةً واحدة، فما استطعت ولا ثلاثة أيام».
وجاء رجل إلى سفيان فسأله عن مسألة، فقال له سفيان: «من أي البلاد أنت؟» قال: «من أهل المشرق».
قال سفيان: «أليس أعلم أهل المشرق عندكم»؟
قال الرجل: «ومن هو يا أبا عبد الله»؟
قال: «عبد الله بن المبارك».
قال الرجل: «أهو أعلم أهل المشرق»؟
قال سفيان: «وأعلم أهل المغرب أيضًا».
وقد شهد بذلك الفضيل بن عياض أيضًا.
وقال ابن عيينة: «نظرت في أمر الصحابة وعبد الله بن المبارك، فلم أجد لهم عليه فضلًا إلا بصحبتهم للرسول صلى الله عليه وسلم وجهادهم معه.» وقد أيّد ذلك يحيى بن معين، إمام أهل الجرح والتعديل.
يتبع…
