
الكاتب: عبیدالله النیمروزي
سيرة مولانا جلال الدین البلخي الرومي رحمه الله
(الجزء الثاني)
متخرّجو مولانا
عشّاق مولانا
إن عشاق مولانا في العالم كثيرون إلى درجة أنه أسر جميع محبّي العرفان والثقافة الإسلامية، بل وأكثر من ذلك، فأثار الدهشة في أعماقهم.
یک نکته بیش نیست غم عشق و این عجب کز هر زبان که میشنوم نا مکرر است
ليس غمّ العشق إلا أمرٌ واحدٌ فقط، والعجيب فيه أنّي أسمعه من كلّ لسان دون أن يتكرّر.
من الذين لقبّوا جلال الدين بـ «مولانا»؟
نعم، لقد مرّ أكثر من ثمانية قرون على حياة جلال الدين محمد المباركة، وقد خطا الباحثون في مجال التحقيق خطوات راسخة في التعرف عليه ومعرفته أكثر من أي شاعر أو عارف آخر، وكان من بين الذين لقّبوه بـ «مولانا» في السنوات ٨٣٠ الهجرية: فريد الدين سبهسلار، وشمس الدين أفلاكي، وسيد قاسم أنوار، الذين اعتبروا هذا الابن البارز من مشرق بلخ جديرًا بهذا اللقب.
كان مولانا عبد الرحمن الجامي ومولانا يعقوب تشرخي الغزنوي من أوائل الباحثين والعارفين بمولانا، الذين فتحوا طريق البحث في مجال معرفة المولوّية أمام الباحثين والعلماء في الشرق والغرب، وكتبوا مؤلفات في هذا المجال، وكذلك قام مولانا الواعظ الكاشفي، وإسماعيل الأنقروي، ومير عبد اللطيف العباسي، وبديع الزمان فروزانفر، من الشخصيات المعروفة، بدراسات قيّمة للتعريف بمولانا البلخي الرومي، كما أن بحوث المستشرقين الغربيين حول مؤلفات وأفكار مولانا تُعدّ جديرة بالثناء.
معرفة أفکارِ مولانا
تعكس مؤلفات مولانا البلخي الرومي بشكل عام أفكاره العرفانية والعاشقة، والتي تجلّت بعد لقاءاته وخلواته الأربعينية مع شمس التبريزي في صور من النتاجات الفكرية الرفيعة التي تجلت في قالب الشعر. فعلى سبيل المثال، كتابه «المثنوي المعنوي» هو تفسير لانفعالاته الروحية كعارف وسالك صوفي، وقد عبّر عنها نظماً واكتسب بها شهرة عالمية، وكان مولانا يعتقد أن الإنسان لا ينال الفلاح ما لم تتطابق هوية سلوكه مع لون معرفته.
خصائص عائلة مولانا
وُلد مولانا جلالالدين محمد البلخي الرومي في أسرةٍ منوّرة، علميّةٍ وعرفانيّة في بلخ القديمة. وكان والده، محمد بن حسين الخطيبي المعروف بـ «بهاء الدين وَلَد» و«سلطان العلماء»، خطيبًا وعالمًا في بلخ، وينتمي نسبه إلى الإمام أحمد الغزالي رحمه الله، وكان أجداده جميعًا من أهل خراسان.
مولانا في كلمة
إنّ مولانا جلالالدين محمد البلخي اسمٌ خالد، وخطيبٌ شهير، وعارفٌ جليل المقام، قد تجاوز صيتُه العلمي حدودَ الآفاق، وعمّ أرجاء المعمورة. فالاستفادة من بحر أفكاره العرفانية اللامتناهية وسعيه في طلب الحقيقة، هي عملية فيضٍ دائمة وخالدة، تستمر في حياة البشرية على مدى واسع.
وبالمكانة الرفيعة التي نالها في ميدان ثقافة التصوف الإسلامي والبحث عن الحقيقة، يمكن القول إنّ مولانا كان حامل رسالة أجمل لمظاهر الجمال في الحب، وومضات الروحانية، وسعي الإنسان الأصيل نحو الحقيقة، وأنّ أفكاره الرفيعة وأشعاره ستظل متألقة في قلوب البشر في المستقبل أيضاً.
بشارة شيخ فريد الدين عطار لسلطان العلماء
بحسب رواية، كان مولانا جلال الدين محمد البلخي في السادسة من عمره، ووفق رواية أخرى حوالي ثلاثة عشر عاماً، عندما هاجر مع والده بهاء الدين ولد، المشهور بسلطان العلماء، وعائلتهم من بلخ مع قافلة من الإبل التي كانت تحمل متاعهم المحبوب من الكتب إلى نيشابور. فوصلت قافلتهم من بلخ إلى نيشابور حيث حل سلطان العلماء في تلك المدينة عند مقام العارف الكبير الشيخ فريد الدين العطار.
وعندما التقى الشيخ بسُلطان العلماء، أشار إلى ابنه وقال: «قريبًا سيشعل هذا الطفل نار الحب في قلوب العاشقين، وسيثير الحماس والاضطراب بين سالكي الطريقة»، ثم أهداه كتاب «أسرارنامه» الذي ظل رفيقًا محببًا لجلال الدين محمد منذ فترة شبابه وحتى نهاية حياته. استفاد منه وذكر بعض حكاياته في «المثنوي المعنوي»، وكان يذكر الشيخ عطار باحترام وتقدير.
ذهب سلطان العلماء مع ابنه،لاحقًا، إلى مكة لأداء مناسك الحج، ثم توجهوا إلى بلاد الشام، دمشق، حلب، والروم، وبعد تسع سنوات من الإقامة في مدن مختلفة، استجابوا لدعوة أمير السلاجقة علاء الدين كيقباد واستقروا في الروم الشرقي (قونيا).
على منبر الإرشاد والوعظ
بدأ جلال الدين محمد منذ أيام طفولته وشبابه يتعلم العلم والمعرفة على يد والده وكذلك على يد السيد برهان الدين المحقق الترمذي، الذي كان من تلاميذ والده. وعند وفاة والده في سنة ٦٢٨ هـ، كان مولانا يبلغ حوالي ٢٤ عامًا، وبسبب علمه وكفاءته، اختاره المريدون وتلاميذ والده ليجلس على منبر الوعظ والإرشاد محل والده.
وفاة برهان الدين المحقق الترمذي
بعد عام من وفاة والد مولانا التي حدثت في سنة ٦٢٨ هـ ق / ١٢٣١ م، سافر السيد برهان الدين المحقق الترمذي، الذي كان من المخلصين لسلطان العلما ومن كبار الأولياء في ذلك العصر، إلى قونية في سنة ٦٢٩ هـ ق / ١٢٣٢ م، وواصل العناية والتربية الروحية لجلال الدين محمد، وقضى تسع سنوات برفقة جلال الدين محمد، حتى وافاه الأجل، فتوفي في سنة ٦٣٨ هـ ق في قيصرية.
مولاي الروم، أفضل قدوة
يُعتبر مولانا أكبر قدوة للرسالة الروحانيّة وأسمى مقام للقيم الإنسانية، ليس فقط للناطقين بالفارسية والدري والمسلمين، بل لكل البشرية على وجه الأرض. وأصبحت أفكاره الروحانية وحبّه الحقيقي ومدرسته في تنمية الإنسان والبحث عن الحقيقة هي نموذجًا يُحتذى به.
يُقدّر مولانا الإنسان والمقام السامي للإنسانية أكثر من باقي المخلوقات، فيطمح إلى الإنسان الأصيل والنادر الذي يصعب إيجاده، كما ورد في جزء من قصائده في ديوان شمس:
دی شیخ با چراغ همی گشت گرد شهر کز دیو و دد ملولم و انسانم آرزوست
كان الشيخ بالأمس يبحث بالمصباح أرجاء المدينة قائلًا: أنا ملول من الجن والوحوش، وأطمح الإنسان.
گفتند یافت مینشود جستهایم ما گفت آنکه یافت مینشود آنم آرزوست
فقالوا: لقد بحثنا منه فلم يوجد، فقال: والذي لم يوجد فهو أيضًا طموحي.
ميزات اللقاء مع شمس المشرق
كانت اللقاء العجيب بين مولانا وشمس الدين محمد بن ملك داد التبريزي، الذي وقع في قونية بتاريخ ٢٦ جمادى الآخرة سنة ٦٤٢، سببًا في معاونة مولانا البلخي على إدراك الحقيقة. لقد أثار شمس عاصفة في روح وجنان مولانا، وأراه طريق الاتصال بالوجود المطلق، فامتلأ مولانا بالشوق والوجد بعد لقائه ومجالسته، وأعرض عن الوعظ والفقه، واتجه إلى نظم الشعر، وأصبح مصاحبًا في خانقاه الأكوان مع السماء، واجتذب حول الشمس مع العشق والحب.
إن مجالسة مولانا لشمس التبريزي وتحوّل حاله بسببها، أثارت حسد وبغض مريديه تجاه شمس، مما أدى في النهاية إلى غياب شمس مرتين. في الغياب الأول، كان مولانا يتألم من فراقه، ويسأل عنه كل من لقيه، وديوان شمس الكبير هو ثمرة هذا الغياب الأول، حيث نظمه مولانا في شوقه لفراق شمس.
الغيبة الأولى لشمس التبريزي
في المرة الأولى، وبعد إقامة دامت ٤٦٨ يومًا في قونية، اختفى شمس التبريزي فجأة في عام ٦٤٣ هـ، حيث أثار هذا الغياب حزنًا عميقًا في نفس مولانا، مما دفعه إلى قطع علاقاته مع من تسببوا في إزعاج شمس. توجه شمس إلى الشام، ومن هناك أرسل رسالة إلى مولانا، الذي بدوره كتب له أربع رسائل منظومة لا تزال محفوظة في «كليات شمس». أرسل مولانا ابنه، سلطان ولد، إلى الشام لدعوة شمس للعودة، فاستجاب شمس للدعوة وعاد إلى قونية.
زاد المعارضون شدتهم في عداوتهم، حتى إن شمس غاب للمرة الثانية، ويُقال إن المعارضين في النهاية قتلوه يوم الخميس، الخامس من شعبان سنة ٦٤٥ هـ.
وبحسب ما كتبه ابن مولانا، سلطان ولد، فإن مولانا سافر بنفسه مرتين إلى الشام باحثًا عن شمس، وكأنه لم يكن يعلم بفاجعة استشهاده، وبعد فترة من البحث دون الجدوى، وعدم العثور على شمس، ظل قلب مولانا متألمًا حتى وفاته.
و بعد مدة، توجّه مولانا إلى صلاحالدين فريدون زرکوب، الذي كان يعمل صائغًا في قونية، وقد واجه أيضًا معارضة من بعض الناس. زوّج مولانا ابنة صلاحالدين من إبنه سلطان ولد. وبعد فترة قصيرة، توفي صلاحالدين، فاختار مولانا حسامالدين جلبي خليفة له، وكان من أتباعه المريدين المقرّبين والنخبة.
يتبع ….
