لفهم صحيح وعميق لأيّ حركة أو مَشروع وفهم أهدافه ومقاصده، من الضروري أولًا أن تُدرس تلك الحركة أو المشروع من الناحية المفهومية، ويتم تقييم المصطلحات والتعبيرات المستخدمة فيها بشكل دقيق لأن هذا سيساعد الباحث والمحقق على القدرة على الحكم والفصل في موضوعه ويمنحُه صورة واضحة وصحيحة عنه.
في هذا الموضوع، سنبدأ بدراسة مصطلح «العلمانية»، الذي اشتهر بمصطلحات مثل «فصل الدين عن السياسة» وأيضًا «العولمة».
تعريف العلمانية:
كلمة (secularism) هي كلمة لاتينية تعني الاهتمام بالدنيا والمادية، لكنها في اللغة العربية وفي الأوساط العربية تم ترجمتها بشكل خاطئ إلى كلمة «العلمانية» التي تعني «الاهتمام بالعلم والمعرفة». يدعي مؤيد، وهذه الحركة أنها نقلة نحو العلم، ويعتقدون أن هذا الإتجاه هو تقدم نحو المعرفة والعقل.
في الحقيقة لم تكن لهذه الكلمة لتترجم في العالم الإسلامي إلى «العلمانية» أو أي مصطلح ذو صلة بالعلم، بل الترجمة الصحيحة لها هي «اللادينية» أو «الإلحاد»؛ لأن جوهر هذه الحركة هو السعي لإبعاد الدين عن جميع جوانب حياة البشر، وخاصة في السياسة والحكم.
يمكن فهم هذه الحقيقة من خلال التعريفات التي قدمها مؤسسو هذه الحركة، وكذلك من خلال تاريخ نشأتها وأسبابها في السياقات الثقافية والاجتماعية والسياسية في الغرب.
تقول دائرة المعارف البريطانية في تعريف العلمانية: «إنها حركة اجتماعية تهدف إلى صرف الناس وتوجيههم من الاهتمام بالآخرة، إلى الاهتمام بهذه الدنيا وحدها، وذلك أنه كان لدى الناس في العصور الوسطى، رغبة شديدة في العزوف عن الدنيا، والتأمل في الله واليوم الآخر، وفي مقاومة هذه الرغبة طفقت الـ (Secularism) تعرض نفسها من خلال تنمية النزعة الإنسانية، حيث بدأ الناس في عصر النهضة يظهرون تعلقهم الشديد بالإنجازات الثقافية والبشرية، وبإمكانية تحقيق مطامحهم في هذه الدنيا القريبة، وظلّ الاتجاه إلى الـ (Secularism) يتطور باستمرار خلال التاريخ الحديث كله، باعتبارها حركة مضادة للدين، ومضادة للمسيحية».
ويقول قاموس « لوبستر» في تعريف العلمانية بأنها: «إيمان يرى أن الدين يجب أن يُستبعد من الحكومة والتعليم والأخلاق، وأن تكون جميع هذه الأمور مستقلة عن تأثير الكنيسة والمؤسسات الدينية، وأن يؤمن الإنسان بأن العقل هو مصدر خلاصه وليس الدين، ومن ثم ينكر جميع الأمور الغيبية وما وراء الطبيعة».
ويقول «معجم أكسفورد» في تعريف العلمانية: «هي حركة أو نظرية ترى أنه لا ينبغي أن يكون الدين أساس الأخلاق والتربية والقيم، والعلمانية تعني تحويل ممتلكات الكنيسة ومؤسساتها إلى الحكومات لتخدم الشؤون الزمنية».
ويقول المعجم الدولي الثالث الجديد في بيان هذه المادّة: «العلمانية اتجاه في الحياة أو في أي شأن خاص، يقوم على مبدأ أن الدين أو القيم الدينية، يجب أن لا تتدخل في الحكومة، أو يتم استبعادها عمدا، فهي تعني مثلا السياسة اللادينية البحتة في الحكومة، وهي نظام اجتماعي في الأخلاق، قائم على ضرورة إقامة القيم السلوكية والخلقية، بناء على اعتبارات الحياة المعاصرة والتضامن الاجتماعي دون النظر إلى الدين».
ويقول المستشرق آرثر أربري: إن المادية العلمية والإنسانية والمذهب الطبيعي والوضعية، كلها أشكال للادينية، واللادينية صفة مميزة لأوروبا وأمريكا، ومع أن مظاهرها موجودة في الشرق الأوسط، فإنها لم تتخذ أي صيغة فلسفية أو أدبية محددة، والنموذج الرئيسي لها، هو فصل الدين عن الدول.
التعريف الذي اشتهر بين المسلمين:
لا شك أن التعريف الذي أصبح مشهورًا في كتب الكتاب المعاصرين من المسلمين هو أن العلمانية تعني «فصل الدين عن السياسة ونظام الحكم»، ولكن في الحقيقة، هذا التعريف لا يقدم المفهوم الصحيح لهذه الحركة؛ لأن هذه الحركة لا تقتصر فقط على العلاقة بين الدين والدولة، بل تمتد إلى جميع جوانب الحياة حتى تلك التي لا ترتبط بالحكومة، لذلك من الأفضل أن نطلق عليها “فصل الدين عن الحياة” من المنظور الإسلامي؛ لأن المطالبة الحقيقية لهذه الحركة هي إزالة الدين من جميع جوانب حياة البشر.
من خلال التعريفات التي سبق ذكرها، أصبح واضحًا أن العلمانية تتعلق بكل جوانب حياة البشر، وتسعى إلى تغيير شامل في حياة البشرية، سواء من الناحية الدينية أو الأخلاقية أو الإجتماعية أو الإقتصادية أو أي جوانب أخرى من الحياة.