إن العدو الماكر يحاول دائمًا أن يصرف المسلمين عن الإسلام، حتى تصبح حياتهم مبنية على أهوائهم لا على وحي الله تعالى.
والطريق الذي يدخل منه العدو، وهو أكبر الطرق تأثيرًا تقريبًا، لتحقيق هذا الهدف، هو التفسير الخاطي والباطل في تطبيق الإسلام، والذي يعتبر ضلالًا مبينًا، يُشوِّش أذهان شباب الأمة والعلماء غيرالمسئولين، حتى لا يتحدثون عن تطبيق الإسلام الذي يعتبر من أهم الفرائض في الإسلام.
ففي القرن الأول من الهجرة، كان الفكر الإسلامي يُطبّق كما تلقَّاه الصحابة وسائر المسلمين عن النبي صلى الله عليه وسلم، وكان يُنقل إلى الناس بفهمٍ دقيق واضح، وإيمان راسخ، ووعي كامل، وفي الوقت نفسه، اهتمَّ المسلمون بتفسير القرآن الكريم منذ بداية نزوله، فسعى كلٌّ واحد، على قدر كفاءته ومدى فهمه، إلى تشريح الآيات الكريمة وتفسيرها، لاكتساب جميع مفاهيم الإسلام وأحكامه وتطبيقها على أفضل وجه.
والتطبيق الشامل للإسلام يحتاج إلى فهم دقيق للأحكام والمفاهيم الإسلامية، ولكن ليست جميع آيات القرآن واضحة بحيث يتمكن كافة المخاطبين فهمها واستيعابها،كما يقول الله سبحانه وتعالى: «هُوَ الَّذِی أَنْزَلَ عَلَیكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آیاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِینَ فِی قُلُوبِهِمْ زَیغٌ فَیتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِیلِهِ وَمَا یعْلَمُ تَأْوِیلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِی الْعِلْمِ یقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا یذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ»[١].
واتضح من هذه الآية أن آيات القرآن تنقسم إلى قسمين، المحكم والمتشابه، فالمحكم ما اتضح معناه بحيث لا احتمال فيه غيره، مثل قول الله سبحانه وتعالى: «واحلّ الله البیع وحرّم الربا»[٣]؛. وقول الله: «والسارق والسارقة فاقطعوا أیدیهما»[٤]. وقول الله: «ولكم فی القصاص حیاة یاأولی الألباب»[٥]
لكن المتشابهات هي التى تحتمل أكثر من معنى واحد، للمساواة أو غير ذلك، فمثال المساواة قول الله سبحانه وتعالى: «أو یعفو الذی بیده عقدة النكاح»[٦]. فالذي بيده عقدة النكاح يحتمل أن يكون الزوج أوالولي، وكذلك قول الله سبحانه وتعالى: «أولامستم النساء»[٧]. لأن المساس يحتمل معنیين، اللمس باليد أو الوطي.
ومثال الذي يراد به أكثر من معنى واحد لا للمساواة:
«ویبقى وجه ربك»[٨]. «ونفخت فیه من روحی»[٩]. «مماعملت أیدینا»[١٠]. «الله یستهزئ بهم»[١١]. «ومكروا ومكرالله»[١٢]. «والسماوات مطویات بیمینه»[١٣]. فهذه الآيات يحتمل عدة معاني من حيث اللغة وكذلك من حيث الشرع، وكلها متشابهة، ولذلك يشتبه معناه عند السامع، وليس المقصود من المتشابه أن يكون غير مفهوم، لانه لا يوجد في القرآن شيء غيرمفهوم، إذ أن وجود شيء غيرمفهوم يُخرج القرآن من أن يكون بيانًا للناس، وهو خلاف قوله سبحانه وتعالى: «هذا بیان للناس»[١٤]. فجعل الله سبحانه وتعالى احتمال التأويل في الآيات، ليختبر العلماء الراسخين من غيرهم،فالراسخون هم الذين لا يتحدثون عن الآيات بتكلف أو لأغراض شيطانية أخرى، وغرضهم دائمًا يتمركز على طلب الحق وبيانه، ولكن الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون تأويل المتشابهات ابتغاء الفتنة وإضلال الناس، ولذلك فإن فهم ” التأويل” أمر ضروري.