إن المجتمع العربي كان قد أصبح غارقًا في جهل واسع وضلال شامل، وتبددت أفكار العرب ونفوسهم، مما جعلهم يعبدون آلهة غير الله، وتركوا الله الإله الوحيد جانبًا، وقد أصيبوا في مشاعرهم بحيث أنهم كانوا يقومون مخافة الفقر والعوز بوأد بناتهم. لكنهم بعد أن بعث الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وأنزل القرآن تغيرت صفحة حياتهم كليًّا وحدث في شخصيتهم تحول جذري، وما أتى بهذا التحول المصيرى إلا القرآن الكريم حيث جاء بثورة كبيرة في أفكارهم ونفوسهم وأعمالهم وسلوكياتهم، والسبب أنهم فتحوا أبواب قلوبهم وعقولهم للرسالة التي يحملها القرآن، ولقد كان نظامهم الإدراكي سليماً ومستعداً للتلقي، وأُرسلت إليهم موجات الوحي والإيمان بأفضل طريقة ممكنة، فأصبحوا كما يقول الله سبحانه حول تأثير كتابه في أرواحهم و نفوسهم: «اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ»[1].
فالقرآن علمهم درس الحياة، وجعل منهم قدوات تاريخية؛ لأنهم كانوا يتعلمون القرآن ويحفظونه ثم يعملون به، كما قال عبدالله بن مسعود رضى الله عنه: “إن الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن”.
يقول أبوعبد الرحمن السلمي رحمه الله: «حدثنا الذين كانوا يقرئوننا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي صلى الله عليه وسلم آيات، لم يجاوزوها حتى يعلموا ما فيها من العلم والعمل، قالوا: فتعلمنا العلم والعمل جميعًا»[2].
دور سورة الزلزال في نفوس الصحابة
لاشك أنّ القرآن كتاب يؤثر في النفوس، وحسب قول العلامة محمد إقبال رحمه الله: «هذا ليس بكتاب، إنما هو شيء آخر»، كان قد أثر على نفوس الصحابة رضي الله عنهم، وسخّر إرادتهم وقلوبهم، ولإثبات مدعانا نعرض بعض الصور. فالصورة التى تدل على كيفية تأثير سورة الزلزال وخاصة آيتي (7 و 8) الأخيرتين على عقولهم وأعمالهم، يقول الله سبحانه وتعالى في هاتين الآيتين: «فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ»[3].
ذكر الحافظ السيوطي رحمه الله في تفسير «الدرالمنثور»: يروى إسحاق بن راهویه، وعبد بن حمید، وحاكم وبن مردویة من أسماء رضی الله عنها أنها قالت: «بينما أبو بكر رضي الله عنه يتغدى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزلت هذه الآية: «فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ». فأمسك أبوبكر رضي الله عنه وقال: يا رسول الله أكل ما عملناه من سوء رأيناه؟ فقال: “ما ترون مما تكرهون فذاك مما تجزون به ويدخر الخير لأهله في الآخرة”»[4].
ويروي سعید بن منصور عن مطلب بن عبدالله بن حنطب: «أن رسول الله صلی الله علیه وسلم قرأ في مجلس ومعهم أعرابي جالس: «فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ». فقال الأعرابي: يا رسول الله أمثقال ذرة؟ قال: نعم. فقال الأعرابي: واسوأتاه. ثم قال: وهو يقولها. فقال رسول الله صلی الله علیه وسلم: “لقد دخل قلب الأعرابي الإيمان”»[5].
ويروى الإمام ابن أبی شیبه رضي الله عنه عن أبي هریرة رضي الله عنه : أن سائلًا طلب من عبد الرحمن بن عوف رضی الله عنه صدقةً، وكان بين يديه طبق من العنب، فأعطاه بذرة منه، فنظر من حوله إليه، وكأنهم ما أعطى السائل شيء قليل، فقال ابن عوف رضي الله عنه: في هذه البذرة التي أعطيتها السائل ذرات كثيرة” [6].