تُعدُّ مسألةُ البعثِ بعد الموت من أخطر القضايا وأشدِّها حساسيةً؛ إذ ترتبط بمصير الإنسان في هذه الحياة الدنيا قبل انتقاله إلى الآخرة وتُحدِّد ما يؤول إليه من منزلةٍ ومقام، وهل يستطيع أن يجتاز مراحل حياته على الوجه الصحيح فيفوز بالسعادة الأبدية، أم يفشلُ في هذا المسير فيكون مصيرُه الشقاءَ الأبديَّ. ونظرًا لما لهذه القضية من أهميةٍ بالغةٍ وحساسيةٍ فائقة، كان من الضروري الوقوف على الأسباب التي دفعت بعض الناس إلى نسيانها أو إنكارها، وبيان الطُرق الكفيلة بمعالجة ذلك. وفي هذا المبحث نسعى إلى تسليط الضوء على أبرزِ العواملِ المنتجةِ إلى إنكار البعث بعد الموت، غير أننا قبل التحقيق في ذلك، نواصل عرض الأدلة العقلية على إثبات البعث.
من أين تتحقق مقاصدُ الإنسان ورغباتُه؟
من أوضح الأدلة والبراهين على إثبات المعاد وجودُ خصائصنا الذاتية والفطرية. فالإنسان بطبيعته يمتلك ميولًا ورغباتٍ، لا تُستجابُ لبعضها في هذه الدنيا على الإطلاق، ولا يستطيع الوصول إليها. ومن أهم هذه الميول: الميل إلى الراحة المطلقة واللذة المطلقة. فنحن بطبيعتنا نحب الراحة، ولا نرغب كثيرًا في تحمل المشاق والآلام والمشاكل، ونريد دائمًا أن نعيش في نعيمٍ ورخاءٍ وحياةٍ مملوءةٍ باللذة والسعادة، من غير همٍّ ولا تعبٍ، ونرغب دائمًا في أن نعيش من غير ضررٍ ولا أذى. ولكن ينبغي أن نعلم أنَّ قوانينَ الدنيا تتعارض مع رغباتنا وآمالنا؛ إذ لا توجد في الدنيا لذةٌ دائمةٌ ومستقرةٌ تحقق للإنسان السعادة الدائمة. فإذا أردنا أن ننال لذةً في الدنيا، فلا بد أن نتحمل في مقابلها تعبًا ومشقة. وإذا تأملنا هذه القاعدة المتعلقة بالرغبات والآمال، أدركنا حقيقةً مهمة، وهي أنه ما لم يكن للشيء وجودٌ، فلا تنشأ في قلب الإنسان رغبةٌ ولا ميلٌ إليه. فإذا لم تتحقق رغباتنا في هذه الدنيا، فلا بد من وجود عالمٍ آخر تتحقق فيه تلك الرغبات، وهذا ما تقتضيه فطرتنا. ولذلك فإن أصحابَ الفطرةِ السَّليمة والعقول الصحيحة يدركون هذه الحقيقة.
برهانُ الفطرة
إنَّ في فطرةِ كلِّ إنسانٍ حبَّ الحياةِ الخالدةِ والتعلُّقَ بها، وبعبارةٍ أخرى: فإنَّ حبَّ الحياة والابتعاد عن الموت والفناء أمرٌ فطري، ومن المقاصد الذاتية للإنسان. ولكن الحياة الدائمة في هذه الدنيا غير ممكنة، ومن جهةٍ أخرى، إذا لم يبلغ الإنسان هذا المقصدَ والغاية في الآخرة، فإنَّ وجود مثل هذه الفطرة التي لا قيمة لها يكون كطباعة الأوراق النقدية من غير ضمان، فلا تكون لها أيُّ قيمة، وهذا مما لا يليق بذات الله الحكيم القدير الفياض[1]. ويكتب الدكتور محمد علي الصلابي في هذا الشأن: «إنَّ الفطرة السليمة تدلُّ على المعاد وتهدي إليه، وما يدَّعيه المنکرون من أنَّ العقول تنفي وقوع البعث بعد الموت والنشور [قولٌ بعيدٌ عن الواقع]؛ لأنَّ العقولَ لا تنفي ذلك أبدًا، فإنَّ الرسلَ عليهم الصلاة والسلام لا يأتون بشيءٍ يحكم العقل بإنکاره، وإن كانوا قد بيَّنوا من وجوه إعجاز القرآن وحكمته واستقامته على الصراط المستقيم ما تقف العقول أمام إدراكه حائرة. وقد وردت أدلةٌ كثيرةٌ على البعثِ بعد الموت بأساليب متنوعة ومختلفة، تخاطب الفطرة والعقل السليم، وتؤثر في أعماق القلوب»[2]. الإيمانُ بالمعاد من الأمور التي یثبتها القرآن الكريم، وسُنَّةُ النبي صلى الله عليه وسلم، والعقلُ والفطرةُ السليمة[3]. وإذا نظرنا في حال الذين ينكرون البعث بعد الموت، ولا سيما في عصرنا الحاضر مع تنوُّع الأمم والفرق والطبقات الفكرية والاجتماعية والثقافية، فإننا ندرك بوضوح أن هؤلاء هم الذين عطَّلوا عقولهم التي جعلها الله تعالى وسيلةً للوصول إلى المعرفة. وإنَّ الله تعالى لا يريد الله تعالى لهؤلاء أن يكون لهم نصيبٌ في الآخرة؛ لأنهم غارقون في الماديات، ومفتونون بالحضارة الحديثة، وكلُّ همِّهم أن يُكملوا التمتّعَ بمتاع الدنيا ولذائذها، وهي بالنسبة إليهم هذه الحياة الدنيا فقط لا غير. وإيمان هؤلاء لا يتجاوز حدود أفكارهم؛ وهو إيمانٌ حملهم على فقدان أصول العقل السليم الذي يقبل الأحكام الصادرة في الأشياء، سواءٌ كان ذلك في النفي أو الإثبات، أو في الوجود أو العدم[4]. إنَّ موضوعَ البعث بعد الموت في حياة الإنسان موضوعٌ بالغُ الأهمية ومصيريٌّ؛ إذ يبدأ هذا الموضوع منذ أن خلق الله تعالى الإنسان على هذه الأرض، ويستمرُّ إلى قيام الساعة، حتى قال بعض العلماء: إنَّ الإيمان بالبعث بعد الموت من الغرائز والفِطَر التي فطر الله تعالى الناس عليها. وإنَّ الانحرافات التي ظهرت عند منكري البعث بعد الموت، أو المعتقدات الغريبة والخاطئة التي تُرى بينهم، لا شكَّ أنَّها كلَّها نتيجةُ الجهل، ومرورِ الأزمنة، وفسادِ الفطرة التي تؤدي مع مرور الوقت إلى طمس عقيدة البعث بعد الموت التي أخبر بها الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، حتى لا يبقى منها إلا أثرٌ ضعيفٌ ونورٌ خافت[5]. وقد أكَّد كثيرٌ من العلماء في كُتبهم أنَّ الإيمان بالبعث بعد الموت، بعد دلالة آيات القرآن الكريم وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، وإقامة الأدلة والبراهين، يثبت كذلك بالعقل السليم والفطرة الصحيحة، وأنَّ هذا الأمر من القضايا التي لا مجال فيها للشَّك والإنكار.