
الكاتب: المولوي عبدالله (عزام)
المقتدا (الإمام الأعظم أبو حنيفة رحمه الله) (القسم الخامس عشر)
مناقب الإمام الأعظم أبي حنيفة رحمه الله
تنقسم هذه المقالة إلى قسمين: القسم الأول يتناول مناقب الإمام الأعظم أبي حنيفة رحمه الله، والقسم الثاني يتناول تدوين علم الشريعة أو الفقه، والنظام الشوری عند الأحناف، وآراءهم الفقهية والعلمية في الاجتهاد والتخریج والاستنباط، أو ما يُعرف المنظومة العلمية الفقهية.
لقد ألَّف العلماء المتقدمون والمتأخرون عشرات المجلدات في مناقب الإمام أبي حنيفة رحمه الله، وتناولوا فيها بالتفصيل فكره، ومذهبه، واجتهاده، ومكانته العلمية، وزهده، وتقواه، وخشيته لله تعالى، وانشغاله بالتجارة ومهارته فيها، وحياته السياسية، وآراءه وأفكاره، وسنشير هنا إلى شيء من مناقبه رحمه الله على سبيل الاختصار، على أن نُفصِّل الحديث عنها في القسم الثاني، إن شاء الله. وُلِد الإمام أبو حنيفة رحمه الله سنة 80 ه في الكوفة، واسمه النعمان، واسم أبيه ثابت، وقد ذكر كثير من مؤلفي مناقبه أن أصله من خراسان، وتحديدًا من منطقة كابل في أفغانستان الحالية، وأن جده انتقل من هناك إلى العراق. وفي بيان سبب نزول قوله تعالى «وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ»قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«لو كان العلم بالثريا لناله رجال، أو رجل، من هؤلاء»[1] أي: لو كان العلم في الثريا لناله رجل من هؤلاء القوم، وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه. وقد اتفق جميع العلماء منهم العلامة جلال الدين السيوطي، ومحمد بن يوسف الصالحي الدمشقي، والعلامة ابن حجر المكي الشافعي، والعلامة محمد معين الدين السندي، وحضرة شاه ولي الله المحدث الدهلوي، والعلامة علي بن محمد العزيزي رحمهم الله، وكذلك العالم غير المقلد نواب صديق حسن خان، على أن الإمام الأعظم أبا حنيفة رحمه الله هو بلا شك من أبرز مصاديق هذا الحديث. قال محمد بن يوسف الدمشقي رحمه الله في كتاب عقود الجمان: وما جزم به شيخنا من أن الإمام أبا حنيفة رحمه الله هو المراد من هذا الحديث السابق ظاهر لا شك فيه؛ لأنه لم يبلغ من أبناء فارس أحد في العلم مبلغه، ولا مبلغ أصحابه)[2] أي: لقد انتهى شيخنا إلى الجزم بأن الإمام أبا حنيفة رحمه الله هو المراد بالحديث السابق، ولا شك في ذلك؛ إذ لم يبلغ أحد من أبناء فارس في العلم المنزلة التي بلغها الإمام أبو حنيفة رحمه الله ولا المنزلة التي بلغها تلاميذه. ومن بين الأئمة الأربعة، يُعد الإمام أبو حنيفة رحمه الله الشخصية الوحيدة التي حظيت بشرف التابعية.
وقد قال العلامة أحمد بن حجر الهيتمي رحمه الله في كتاب الخيرات الحسان: «إنه أدرك جماعة من الصحابة كانوا بالكوفة بعد مولده بها سنة ثمانين، فهو من طبقة التابعين، ولم يثبت ذلك لأحد من أئمة الأمصار المعاصرين له، كالأوزاعي بالشام، والحمادين بالبصرة، والثوري بالكوفة، ومالك بالمدينة الشريفة، والليث بن سعد بمصر).[3] أي: لقد أدرك الإمام أبو حنيفة رحمه الله عددًا من الصحابة الكرام رضي الله تعالى عنهم الذين كانوا يقيمون بالكوفة بعد مولده فيها سنة ثمانين للهجرة، ولذلك فهو من طبقة التابعين، ولم تثبت هذه الفضيلة لأحد من الأئمة المعاصرين له، كالإمام الأوزاعي في الشام، والحمادين في البصرة، والإمام الثوري في الكوفة، والإمام مالك في المدينة المنورة، والليث بن سعد في مصر رحمهم الله جميعًا. وقال الإمام أبو حنيفة رحمه الله:«رأيتُ أنسَ بنَ مالكٍ قائمًا وهو يُصلِّي»[4] كان الإمام أبو حنيفة رحمه الله في بداية حياته يعمل في تجارة الأقمشة، وكان من كبار التجار المعروفين، وكانت الأقمشة التي يتاجر بها من الأنواع النادرة التي قلَّما كانت توجد في الأسواق. ثم سلك طريق العلم، حتى أصبح من رواده وأئمته. وفي وصف عبادته، قال العلامة شمس الدين الذهبي رحمه الله: كان الإمام أبو حنيفة رحمه الله مواظبًا على قيام الليل والتهجد، وكان يُحيي ليله بالعبادة، حتى إنه بسبب طول قيامه كان يُشبَّه بالوتد. وكان رحمه الله بالغ الذكاء، قويَّ الحجة والاستدلال في الكلام والمناظرة، عابدًا، ورعًا، سخيًّا، وفطنًا. وقال يزيد بن هارون: «ما رأيت أحدًا أعقل، ولا أفضل، ولا أورع من الإمام أبي حنيفة رحمه الله»[5] ورزقه الله تعالى أمانةً عظيمة، حتى إن الناس كانوا یُودِعون عنده آلاف الدنانير، وقال وكيع بن الجراح في وصفه: «كان أبو حنيفةرحمه الله، والله، عظيم الأمانة»[6] وكان شديد التوقير والاحترام لشيخه، فقد روى أبو محمد الحارثي عن الإمام أبي حنيفة رحمه الله أنه قال: «ما مددتُ رجلي قطُّ إلى جهة دار أستاذي حماد بن أبي سليمان احترامًا له، مع أن بين داره وداري سبعة أزقة».[7] كما رزقه الله تعالى القناعة والاستغناء، فلم يكن يرغب في أموال الأمراء والملوك، وقد نقل الصيمري عن الحسن بن زياد أنه قال: «والله ما قبل أبو حنيفةرحمه الله من أحدٍ منهم جائزةً ولا هدية». أي: والله، ما قبل الإمام أبو حنيفة رحمه الله قط جائزةً ولا هديةً من الأمراء أو الملوك.
وقال عبد الله بن المبارك رحمه الله: «ما رأيت أحدًا أورع من أبي حنيفة، وقد جُرِّب بالسياط والأموال». أي: ما رأيت أحدًا أشد ورعًا من الإمام أبي حنيفة رحمه الله؛ فقد ابتُلي بالسياط، وعُرضت عليه الأموال، ومع ذلك ظل ثابتًا على ورعه وتقواه. وكان الإمام أبو حنيفة رحمه الله يتخذ في المواقف التي وقعت بين الصحابة الكرام رضي الله عنهم منهجًا يقوم على غاية الاعتدال والإنصاف، كما كان يُجلُّ كبار العلماء ويعظمهم أشد التعظيم. ولما امتنع عن قبول منصب القضاء، أمر الخليفة أبو جعفر المنصور بسجنه، فبقي في السجن حتى تُوفي شهيدًا، رحمه الله، عن عمر ناهز السبعين عامًا.
خصائص المذهب الحنفي:
من أعظم المزايا التي امتاز بها المذهب الحنفي، والتي تُعد منقبة فريدة له، الريادة في تدوين علم الشريعة وتبويبه، فقد كان الإمام أبو حنيفة رحمه الله وتلاميذه أول من ابتكر هذا المنهج العلمي، فرتبوا مسائل الفقه وبوَّبوها ترتيبًا منهجيًا، وهي خطوة لم يسبقهم إليها أحد، ثم اقتدى بهم بعد ذلك سائر الأئمة المجتهدين، وساروا على النهج نفسه في تدوين العلوم الشرعية وترتيبها. ومن الخصائص الفريدة الأخرى للمذهب الحنفي أنه، بخلاف سائر المذاهب، لم ينشأ نتيجة اجتهاد أو استخراج أو استنباط شخص واحد، ولم يكن ثمرة فكر فرد أو نتاج عقل واحد، بل هو المذهب الوحيد الذي نشأ عن طريق مجلس شورى منظم مؤلف من أربعين عالمًا، فكان حصيلة أفكار أربعين فقيهًا ومجتهدًا من أصحاب الإبداع والنظر العلمي. وقد تكون الفقه الحنفي قد شهد بعد ذلك زيادات واستدراكات، إلا أن الرصيد الفقهي الموجود اليوم هو ثمرة ما يقارب ثلاثة عقود من الجهود الجماعية، والمجالس العلمية، والبحوث، والاستدلالات، والمناقشات، والمناظرات، وإقامة الحجج، التي قام بها نخبة فقهاء الأمة وكبار مجتهديها، وهذه ميزة لم يحظ بها أي مذهب آخر غير المذهب الحنفي. ولما كان هذا الجانب المهم من المذهب الحنفي لم ينل ما يستحقه من العناية والاهتمام، فإنني سأقف عنده بشيء من التفصيل، وسيتركز الحديث الآتي على بيان هذه الجوانب. وقبل الدخول في هذا البحث، يجدر بنا ـ على سبيل المقدمة ـ أن نعلم أن المصطلحات الفقهية المتداولة اليوم لم تكن معروفة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما كان الصحابة الكرام رضي الله تعالى عنهم إذا رأوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلًا، أو سمعوا منه قولًا، عملوا بمقتضاه مباشرة. غير أنه بعد عصر الرسالة، وفي عهد الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم، دخلت بلدان كثيرة تحت راية الخلافة الإسلامية، وانتشر الصحابة الكرام رضي الله تعالى عنهم في أرجاء العالم مع الفتوحات الإسلامية، واتسعت دائرة الداخلين في الإسلام، فظهرت نوازل ومسائل جديدة استدعت اللجوء إلى القياس، كما أن الاستدلال بالنصوص المختلفة أدى أحيانًا إلى اختلاف أنظار الصحابة الكرام رضي الله تعالى عنهم، فلم يتفقوا دائمًا على رأي واحد، ومن ثم نشأت بعض الخلافات الفقهية.
في تلك الفترة، كان نحو مائة وثلاثين، وقيل مائة وستين، من الصحابة الكرام رضي الله تعالى عنهم يُفتون الناس في المسائل الشرعية، وقد قُسِّموا إلى ثلاث طبقات:
-
المكثرون من الصحابة رضي الله عنهم: وهم الذين عُرفوا بكثرة الفتوى، وكانوا سبعة من الصحابة الكرام، وهم: عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وأم المؤمنين عائشة الصديقة، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
-
المتوسطون: وهم الصحابة رضي الله عنهم الذين كانت فتاواهم أقل من فتاوى المكثرين، ويُذكر أن عددهم ثلاثة عشر، وهم: أبو بكر الصديق، وأم المؤمنين أم سلمة، وأنس بن مالك، وأبو سعيد الخدري، وأبو هريرة، وعثمان بن عفان، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن الزبير، وأبو موسى الأشعري، وسعد بن أبي وقاص، وسلمان الفارسي، وجابر بن عبد الله، ومعاذ بن جبل رضي الله تعالى عنهم.
-
المقلون من الصحابة: وهم الذين كانت فتاواهم أقل من فتاوى الصحابة الواردين في الطبقتين السابقتين.
يتبع..
[1] صحيح البخاري، كتاب التفسير.
[2] عقود الجمان ص: 46-47
[3] الخیرات الحسان ص: 43-44
[4] مسند أبي حنيفة: ص24
[5] تاريخ بغداد، ج15، ص498
[6] تاريخ بغداد، ج15/ص490
[7] عقود الجمان، ص236