
الكاتب: عبید الله النیمروزي
سيرة السلطان صلاح الدين الأيوبي رحمه الله
(الجزء الخامس)
حب الجهاد والإيمان واليقين
كان نور الدين محمود أكثر ما يعتني ويهتم بالجهاد ومقاتلة النصارى، وكانت عزيمته وثقته وتوكله وإيمانه ويقينه في هذا الباب أعظم من الجميع، في سنة ٥٥٨هـ، هُزم نور الدين في معركة «حصن الأكراد» والتي تُعرف أكثر باسم «معركة البقيعة» بسبب هجوم مفاجئ شنه الصليبيون. كان نور الدين قد نزل بالقرب من مدينة حمص، على بُعد أميال قليلة من العدو، فنصحه بعض الناصحين ألا يُقيم قريبًا من العدو، فردّ عليهم قائلاً: اسكتوا! ثم قال: «لو كان معي ألف فارس، لا أبالي بالعدو أبدًا، وأقسم بالله أني لن أدخل تحت سقف بيت حتى آخذ بثأر المسلمين والإسلام منهم.»
كان نور الدين يقسم العطايا والمبالغ والغنائم الحربية بسخاءٍ تام، وكان نصيب الجنود في الجيش أكثر، فقال له بعض الناس: لو أنقصتَ شيئًا من حقوق الفقراء، والفقهاء، والصوفية، والقراء التي تُصرف من بيت المال، وجعلتَها لصالح الجنود، لكان ذلك أنفع. فغضب نور الدين، وقال في جوابه: إن هذه النصرة التي وصلتني من عند الله تعالى، إنما هي ببركة دعاء هؤلاء الفقراء والضعفاء ورضاهم، وقد ورد في الحديث أن النصر والبركة في الرزق يُعطاهما الناس بفضل الضعفاء. إذًا فكيف أقطع أو أنقص حقوق قوم كان النصر بفضلهم؟! إنهم يقاتلون عني حين أكون نائمًا في فراشي، ولا تُخطئ سهامهم، وأما من تمدحونهم، فإنهم لا يقاتلون إلا حين يرونني ويسمعوا أمري، ومع ذلك كثيرًا ما تُخطئ سهامهم ولا تصيب الهدف. ثم إن أولئك الفقراء وغيرهم لهم حق ثابت في بيت المال، ولا يمكنني أن أعطي حقوقهم لغيرهم.
استعدَّ نور الدين للانتقام من الصليبيين بكل جدّ، وحفّز الجيش بالجوائز والمكافآت، وكتب رسائل إلى أمراء الثغور وحُكّام الولايات الإسلامية، يحثّهم فيها على الجهاد في سبيل الله تعالى، والتعاون مع المجاهدين، كما كتب إلى الزهاد والعباد والصالحين والفقراء في تلك المناطق، وذكر لهم المظالم والاعتداءات التي ارتكبتها الصليبيون، وطلب منهم الدعاء، وناشدهم أن يشجّعوا المسلمين ويحثّوهم على الأهبة للجهاد، وكان هؤلاء الصلحاء يقرؤون الرسائل أمام الناس بالبكاء والعاطفة، ويدعون للسلطان، فانتشرت في صفوف الناس من مختلف الطبقات موجةٌ من الحماسة والشوق للجهاد، فخرج من كل ولاية جيش كبير لنصرة السلطان.
وفي المقابل، جهّز الصليبيون جيشًا عظيمًا من كل جهة، لمواجهة المسلمين، ولكن بتوفيق الله وفضله، فقد برَّ السلطان بقَسَمه، وانتصر على هذا الجيش العظيم من الصليبيين، وفتح مدينة «حارم» وما حولها فتحًا مبينًا.
يمكننا إدراك إيمان ويقين نور الدين من هذا الحادث، وهو أنه أثناء حصار قلعة «بانياس»، فقد شقيقه نصرة الدين، القائد العام للقوات، إحدى عينيه، فلما رأى نور الدين حال أخيه قال له: لو رأيت الأجر والثواب الذي أعدَّه الله تعالى لك، لتمنّيت أن تفقد عينك الثانية أيضًا.
يتبع…