كلما دخل المستعمرون الأروبيون بلدًا ما، شكلت الدعوة إلى المسيحية ونشرها سياساتهم الثقافية للتسرب أكثر، حيث اتخذوا هذه السياسة في الهند، واستهدفوا دين الإسلام ورموزه.
كتب «بالمرستون»، رئيس وزراء بريطانيا في تلك الفترة، إلى «كانينغ» حاكم الهند البريطاني قائلاً: يجب هدم جميع المباني المدنية المرتبطة بالتقاليد الدينية لأتباع محمد، أي المساجد، دون اعتبار لقدَمها التاريخي أو لقداستها ومكانتها العريقة أو لقيمتها الفنية. وأفاد «فرنون سميث»، رئيس هيئة الرقابة، إلى «كانينغ» بأن صحيفة «التايمز» قد أطلقت نداءً دينيًا، ولم تكتفِ بفرض المسيحية على المسلمين، بل طالبت بأن يسبّ المسلمون رسول الإسلام، ويرفعوا صليب المسيحية.[1].
وأشار إنجليزي آخر إسمه «إف واردن» بمظهرٍ محايد إلى الهدف الحقيقي من نشر المسيحية في الهند، وكتب في مذكّراته: إنني أشجّع القساوسة سرًّا على التبشير بالمسيحية، وإن كنتُ أتفق مع الحاكم على الحياد في المسائل الدينية، إلا أنّ تعليم المسيحية لسكان الهند مفيد بلا شك ما داموا لا ينتقدونها، وحتى إن لم يُؤدِّ تعليم المسيحية إلى تغيّر في أفكارهم ليجعلهم يعتبرون دينهم باطلاً، فإنهم سيصبحون على الأقلّ أفرادًا ذوي إيمان، ورعايا مجتهدين في العمل.
بعد هذه التصريحات، بدأ موظفو شركة الهند الشرقية حملة دعائية واسعة لتنصير المسلمين والهندوس، وبحسب ما كتبه «غرانت»، فإنّ أهمّ ما يعلّمه الإنجليز للهندوس هو ديانة المسيح، التي تمّ إعدادها في رسائل متعددة بلغة مبسطة، وتوجد في الإنجيل. وإنّ علاج كل الشرور في الهند يكمن في الدين، حيث ينبغي أن يُقدَّم لهم نورُ علمنا، وخاصة مبادئ الدين الإلهي للمسيحية.
على إثر هذا القرار، أرسلت الحكومة البريطانية عدداً أكبر من المبشّرين إلى البنغال، وزادت من الدعم المالي المقدَّم لهم. وقد كُلّف هؤلاء بالترويج لدين البروتستانتية بين الناس والطلبة، وخصّصت لهم ميزانيات مستقلة لهذا الغرض، فعلى سبيل المثال، وُفِّرت مساعدات مالية سنوية وفقاً لبرنامج السيد سوارنتر، وقد توجّه عدد كبير من القساوسة والمبشّرين إلى الهند وبدأوا أنشطتهم هناك.
فالقس «أي إيدمند»، الذي كان أحدًا من هؤلاء، أعلن لجميع الموظفين في عام ١٨٥٥ قائلاً: «الآن قد أصبحت سلطة واحدة في الهند، وباتت الأخبار من جميع المناطق مترابطة بواسطة التلغراف، والتنقلات موحّدة عبر السكك الحديدية، فيجب أن يكون الدين أيضاً واحداً، ويجب على الجميع أن يعتنقوا المسيحية.»
وقال «مينغلس»، عضو مجلس العموم، كلمات أثارت مشاعر العداء ضد بريطانيا بين المسلمين في الهند، حيث قال: «إن الله قد منحنا هذه القوة لكي تكون سلطنة الهند تحت سيطرة إنجلترا، وليرتفع علم النصر المسيح في جميع أنحاء الهند، فعلى كل فرد أن يبذل أقصى جهده في تنصير الهند، وألا يُظهر أي تساهل في هذا الصدد».
أصبح التبشير بالمسيحية يُتابَع بكل جدية، حتى إن القساوسة المسيحيين كانوا يقفون بجانب درجات المسجد الجامع في دهلي ويدعون المسلمين إلى المناظرة، ومن كان يعترض سبيل المبشرين بالمسيحية كان يُعاقب، وقد أُصدر أمر للشرطة بالتعاون مع هؤلاء المبشرين.[2]
ردّ المسلمون على التبشير بالمسيحية، ودخل علماء الإسلام ميدان المواجهة، وكان من أبرز المجاهدين مولانا رحمة الله الكيرانوي رحمه الله، الذي تصدّى لفندر، أسقف النصارى الكبير. كان فندر يقف على درجات المسجد الجامع لشاه جهان، وينتقد الإسلام، ويدعو علماء المسلمين إلى المناظرة. وفي يوم من الأيام، ارتدى مولانا رحمة الله الكيرانوي الكفن وجاء للمناظرة، وأعلن: «إني أطلب من أسقف الهند الكبير، الذي هو مختار علماء النصارى ومؤلف كتاب «ميزان الحق » ، أن يناظرني علنًا حتى يتبيّن الحق، ويُعلم أن علماء المسلمين لم يردوا على رسائله لا عجزًا، بل إعراضًا عنها». وبعد هذا الإعلان، عُقدت مناظرة حضرها الآلاف من الناس، من العامة والخاصة، وكان من بين الحضور كبار مسؤولي حكومة شركة الهند الشرقية، منهم «اسميت» حاكم المنطقة، و«كريستيان سكند» المسؤول عن التعليم، و«مستر ويليام» قائد الجيش، و«ليدلي» الناطق باسم الحكومة، والقس «ويليام غلبن» في مركز المسيحيين بأكبر آباد المسمى كتره عبد المسيح.
فالموضوعات التي دارت حولها المناظرة كانت خمس مسائل خلافيّة بين النصارى والمسلمين، وهي: تحريف الإنجيل، ونسخ الإنجيل، وعقيدة التثليث، وحقيقة القرآن، ونبوّة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم. وكان أوّل مناظرة، موضوعها «تحريف الإنجيل»، اعترف الأسقف فندر بتحريف الإنجيل، فأصبحت هذه المناظرة سببًا في إنقاذ إيمان آلاف الناس. وقد كان ردّ فعل المسلمين تجاه هذه المناظرة شديدًا، حتى عُدّت من أسباب ثورة سنة ١٨٥٧ م. وفي هذا الصدد كتب سيد أحمد خان: «لا شكّ في تدخّل الحكومة في الأمور الدينيّة، فكلّ الناس، من متعلّم وجاهل، وعالٍ ونازل، يعلمون أن النيّة الباطنيّة للحكومة هي التدخّل في الدين والثقافة، حتّى يُصبح الجميع، من هندوس ومسلمين، نصارى، ويقبلوا ثقافة تلك البلاد، وهذا هو أعظم أسباب التمرّد..[3]».
فرقة آریا سماج:
بالإضافة إلى الترويج للمسيحية، واجه المسلمون حركة إحياء الهندوسية أيضًا، فعندما بزغ نجم البريطانيين من البنغال وبلغ ذروته، ظهرت فرقة «ريا سماج» إلى الساحة لمحاربة الإسلام، وقد بدأت هذه الحركة الإصلاحية للهندوسية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر على يد رجل غوجراتي يُدعى «سوامي دايانند سراسواتي»، لكنها وجدت جذورها بين الهندوس في إقليم البنجاب. وقد سُمّيت هذه الحركة بـ«آريا سماج»، وكان شعارها «العودة إلى الفيدات». وكان هذا الشعار يعني في الظاهر ترك التطور الفكري والتحوّلات العقائدية التي طرأت على العقائد الآرية منذ زمن الفيدات، لكن في الحقيقة كانت «آريا سماج» ردّ فعل على نفوذ الإسلام والمسيحية، وخصوصًا الإسلام.
بدأت جماعة آريا سماج في دعوة الآخرين إلى ديانتها، ونتيجة لذلك دخلت في صراع مع الأديان التي تدعو إلى اعتناق معتقداتها. وكانت آريا سماج، التي نشأت لمواجهة الإسلام، تسعى للدفاع عن كل ما له أصالة هندوسية.
وقد نشطت آريا سماج في المناطق ذات الأغلبية المسلمة والتي كانت متأخرة دينيًا، حيث كان بعض سكانها قد تبنّوا عادات شركية من الهندوسية. وكان نشطاء آريا سماج يعلنون أن القبائل التي كانت في الأصل هندوسية وأُجبرت على الدخول في الإسلام بالقوة، يجب أن تعود من جديد إلى ديانة آريا سماج من خلال طقس «شُدّهي» للتطهير.
وقد تظافرت كل هذه الأحداث حتى دفع المسلمين، بل وبعض الهندوس الذين ضاقوا ذرعًا بسلوك الحكومة الاستعمارية البريطانية، إلى القيام بثورة.[4].