بعد دراسة مكانة الإيمان بالمعاد في آيات القرآن الكريم، يصبح من الضروري ـ استكمالًا للبحث والتحقيق ـ تناول المعاد في ضوء سُنّة النبي صلى الله عليه وسلم وأقوال العلماء أيضًا؛ إذ تُعَدّ سنّة النبي صلى الله عليه وسلم إلى جانب القرآن الكريم المصدرَ الثاني الأساس والمهم في الإسلام. وتؤدي أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم دورًا كبيرًا في تفسير وبيان التعاليم القرآنية، كما أن فهمَ كثير من الآيات متوقفٌ على فهم أحاديثه صلى الله عليه وسلم. وفي هذا الجزء من البحث نسعى، بالاعتماد على أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وأقوال العلماء الأفاضل الكبار، إلى تقديم صورةٍ أوضح وأجلى عن الإيمان بالمعاد في الإسلام، وبيان دوره في هداية الإنسان ورسم معالم مسار الحياة الأخروية.
المعاد في ضوء الأحاديث:
لما كان الإيمان بالمعاد من أُسُس العقيدة وأهمّ معتقداتها في الإسلام، كان لزامًا بيانُ هذا الإيمان في ضوء أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وإثباتُ حقيقته. وقد ثبت وجودُ المعاد بأحاديثَ كثيرةٍ عن النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم، نذكر منها فيما يلي بعضَ النماذج:
يُفهم من هذا الحديث بوضوحٍ أنَّ ربَّ العالمين يجمع يوم القيامة جميع الناس في ساحةٍ واحدةٍ واسعةٍ مستوية، ويحاسبهم على أعمالهم وسلوكهم وأفعالهم، ويطالبهم بالجواب عن أعمالهم الدنيوية، ويُعامَل كلُّ إنسانٍ بما كان يعمل في الدنيا، فالمسلمون الذين أحسنوا في هذه الدنيا واشتغلوا بعبادة الله تعالى ينالون نعمةَ رؤيةِ ربِّ العالمين، وهي من أعظم النِّعَم في الآخرة بعد البعث من الموت.
يُبيِّن هذا الحديث بوضوحٍ تامٍّ أنَّ رجوعَ العباد إلى الله تعالى حقٌّ، وأنَّه لا يخفى على الله تعالى شيءٌ صغيرٌ ولا كبيرٌ، وأنَّ الله تبارك وتعالى قادرٌ على كلِّ شيء، ويؤاخذ من يشاء كيفما يشاء، ولو صارت ذرّاتُ وجوده رمادًا وتفرَّقت في الهواء.
عَن عليّ رَضياللهُعنهُ أنّ النبيّ صَلَّىاللَّهُعَلَيْهِوَسَلَّمَ قال: «لا يؤمن عبد حتى يؤمن بأربع: یشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله بعثنی بالحق، ویؤمن بالموت، وبالبعث بعد الموت، ویؤمن بالقدر.[٣]«
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَاللَّهُعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّىاللَّهُعَلَيْهِوَسَلَّمَ: «ما بین النفختین أربعون، قالوا يا أبا هريرة! أربعون يوما؟ قال: أبيت. قالوا: أربعون شهرا؟ قال: أبيت. قالوا: أربعون سنة؟ قال: أبيت. ثم ينزل الله من السماء ماء فينبتون كما ينبت البقل، قال وليس من الإنسان شيء إلا يبلى إلا عظما واحدا وهو عجب الذنب، ومنه يركب الخلق يوم القيامة.».[٤]