بقلم: أبو عائشة
البعث بعد الموت
(الجزء الثاني)
المعنى اللغوي لكلمة بعث
استُعملت كلمة بعث في كلام العرب على معنيين:
الإرسال والتوجيه:
قال الله تعالى: ﴿ثم بعثنا من بعدهم موسى بآياتنا إلى فرعون وملئه﴾[1]
الإيقاظ والتحريك: يقول العرب: بعثت البعير فانبعث أي حركتُ الجمل فنهض، ومن هذا الباب قوله تعالى[2]: ﴿ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون﴾[3]
المعنى الاصطلاحي للبعث
في الاصطلاح الشرعي، البعث هو إحياء الله تعالى للموتى وإخراجهم من قبورهم أحياء[4].
ويشمل ذلك جميع الناس مهما كانت حالتهم؛ من حُرق بالنار، أو غرق في البحر وأكلته الأسماك، أو افترسته السباع، فليس شيء يعجز الله تعالى عن إحيائه[5].
أهمية البحث في أمر المعاد
الإنسان بطبعه ميّال إلى الكمال، ويسعى فطريًا نحو تمام الخير والرشد، ولذلك لا بد له أن يختار بحرية ووعي طريق حياةٍ إنسانية لا بهيمية، فلا يعيش وفق غرائز الحيوان فحسب، بل يستخدم عقله وتفكيره — وهما ما يميزانه عن الحيوان — ليختار بين الشهوات والدوافع المتعارضة باختيارٍ علميٍّ مبنيٍّ على الوعي والحرية.
إنّ الكمال الحقيقيّ للإنسان ليس بالإشباع الكامل للغرائز والشهوات، بل بتسخيره عقله لتمييز الطريق الصحيح نحو السعادة الدائمة. ولأن الإنسان يعيش في صراع دائم بين الميل والخير، فهو محتاج إلى العلم والوعي ليستطيع الاختيار الصحيح، وإلا وقع في جهلٍ يقوده إلى الضلال والبعد عن كماله الحقيقي[6].
ومن أبرز المسائل التي ناقشها البشر عبر التاريخ، مسألة البعث بعد الموت؛ أي الإحياء بعد الفناء. فمن اقتصر في نظره على الحياة الدنيا ولم يؤمن بالآخرة والحساب فقد خسر خسارةً فادحة؛ لأن الدنيا يشوبها الظلم، فكثير من الناس يُظلمون بلا جرم، وتُسلب حقوقهم، ويُعتدى عليهم بلا إنصاف. فلو لم يكن هناك يوم حسابٍ تُردّ فيه المظالم، لبطلت العدالة، وهذا محال؛ لأن ربّ العالمين يحاسب عباده على مثقال ذرّة من أعمالهم، كما قال سبحانه: ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرًا يره﴾[7]، فإن لم تكن هناك آخرة، فأين يقع هذا الحساب؟ لهذا كان بحث مسألة المعاد أمراً في غاية الأهمية والضرورة، وإذا نظرنا في هذا الموضوع من خلال القرآن الكريم، وسنّة النبي صلى الله عليه وسلم، وأقوال العلماء، وجدنا أن هذه المصادر كلّها أولت مسألة البعث أهميةً عظيمة، وتحدثت عنها شرحًا واستدلالًا واسعًا.
وسنحاول في هذا الجزء من البحث استعراض رؤية القرآن الكريم حول موضوع البعث بعد الموت.
(يتبع …)
الجزء السابق | الجزء التالي
[1] القرآن الكريم، سورة الأعراف، الآية ۱۰۳.
[2] القرآن الكريم، سورة البقرة، الآية ۵۶.
[3] الزُّبيدي، محمد بن محمد. تاج العروس من جواهر القاموس، تحقيق: مجموعة من المحققين، الجزء الخامس، صـ ۱۶۹.
[4] أصول الإيمان في ضوء الكتاب والسنة، تأليف: نخبة من العلماء، ۱۴۲۱ هـ، صـ ۳۰۷.
[5] العريفي، الدكتور محمد. العالم الآخر (الآخرة)، ترجمة: حسين زائي محمد حنيف، ۱۴۳۷ هـ / ۱۳۹۴ ش، صـ ۱۲۶.
[6] مكي، الدكتور مجد. مجموعة كاملة من عقائد أهل السنة، ترجمة: فيض محمد بلوش، الجزء الثاني، صـ ۶۳۲، ۱۳۹۴ هـ ش.
[7] القرآن الكريم، سورة الزلزلة، الآيتان ۶–۷.

