تمكّن الاستعمار الجديد من تحقيق الأهداف التي كان يسعى إليها الاستعمار القديم من خلال القتل والدمار واحتلال الأراضي، ولكن بتكلفة أقل بكثير، في فترة الاستعمار القديم، منعت الشعوب المسلمة المستعمرين من تحقيق أهدافهم الخبيثة، وذلك عبر جميع أنواع التضحيات وتقديم ملايين الشهداء والجرحى والمنفيين، ولكنها للأسف استسلمت أمام الاستعمار الجديد وألقت سلاح المواجهة.
لقد تأثر الجيل الإسلامي الجديد بدعايات المستعمرين وإشاعاتهم، فقبلوا نظرياتهم وأفكارهم، واتبعوهم وساروا على نهجهم في مختلف المجالات مثل: أسلوب الحياة، والاقتصاد، والثقافة، والفكر، وغيرها.
يكتب العلامة السيد أبو الحسن الندوي رحمه الله عن جهود الشعب الجزائري في مواجهة الاستعمار القديم وهزيمته أمام الاستعمار الجديد: «إن الشعب الجزائري الذي ضحّى بملايين الأفراد في سبيل حريته، وكان السر الوحيد وراء هذا العمل الذي لا نظير له في العصر الحديث هو حب الشهادة والشوق إلى الجهاد، وكانت وكالات الأنباء الغربية تطلق عليهم اسم «المسلمين»، إلا أنهم اليوم يواجهون المشكلة ذاتها (الميل إلى الغرب والنظام العلماني)، حيث يقود زعمائهم مدنهم نحو الغرب المادي والشيوعية العلمانية».
إن هذا النوع من الأفكار والميول لدى زعماء البلدان الإسلامية نحو التبعية الفكرية والثقافية للغرب، بالإضافة إلى المؤامرات والتكتيكات الجديدة للدول المستعمِرة لتنمية وتوسيع الاستعمار بشكله الجديد، يكشف عن خطورة موضوع «الاستعمار الجديد»
يكتب الأستاذ يحيى محمد إلياس رحمه الله تعالى، مؤلف الكتاب القيّم «الغزو الفكري»، عن التكتيكات الجديدة للغربيين في مجالَي الاستعمار القديم والجديد: «لكن أوروبا (بعد الهزيمة في الحروب الصليبية) لم تهدأ أبداً. لم يضعوا سلاح الحرب جانباً في أي وقت، بل بدأوا التخطيط لهجوم جديد واجتياح آخر، ولكن هذه المرة ببرامج جديدة وتكتيكات حديثة. وعلى الرغم من أن الأهداف الحقيقية لهذا الهجوم هي ذات أهداف الحروب الصليبية، إلا أن الأهداف الاقتصادية، أي استعمار الشعوب ونهب ثروات ورؤوس أموال الدول الإسلامية، كانت هي الأكثر وضوحاً من بين الأهداف الأخرى. نعم، لقد تقدم الغربيون هذه المرة بذكاء وفطنة خاصة».
أدوات نجاح الاستعمار الجديد
في الواقع، تمكّن الاستعمار الجديد من الوصول إلى أهدافه ومطالبه التدميرية بتكلفة أقل بكثير من الاستعمار القديم، وهذا الأمر يعود إلى تحليلات وأسباب لا حصر لها. لقد تناولنا جزءاً منها في المبحث السابق حول الاستعمار «الفكري» و«الاقتصادي» للعالم الإسلامي. لكن هذا النوع من الاستعمار له علل ودوافع عديدة، وها نحن نستعرض الجزء الآخر منها الآن:
السيطرة على وسائل الإعلام ووكالات الأنباء:
توصّل مؤسسو الاستعمار الجديد، بعد دراسات مستمرة ومنظمة، إلى أنه لكي يكون التأثير على الدول المستعمَرة أعمق، يجب عليهم السيطرة على وسائل الإعلام وأدوات نقل المعلومات والأخبار. لا شك أن وسائل الإعلام اليوم هي التي تشكّل عقائد وميول وتوجهات وأفكار عامة الناس، وهذا الأمر هو ما أدى إلى النجاح الملحوظ للمستعمرين في نشر وإشاعة مطامعهم الاستعمارية.
نتيجة لذلك، أصبحت وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمكتوبة، والصحف والمجلات، وغيرها، في قبضة وسيطرة المستعمرين، وهم يستخدمونها لتحقيق أهدافهم الخاصة.
الدعاية الواسعة والمضللة:
شنّ المستعمرون الجدد حملات دعائية واسعة وشاملة ضد الدين وتعاليم الدول المستعمَرة، ووجهوا عقول وذكاء النخب وعامة الناس نحو أقوالهم ومعتقداتهم وأهدافهم. وبهذه الطريقة، أوقعوا الشعوب المسلمة في انهيار وهزيمة فكرية وعقائدية من الداخل، وحققوا بذلك مطامعهم الاستعمارية دون دفع أي تكلفة.
السعي لغلبة الثقافة الأجنبية:
سعى المستعمرون، من خلال الدعاية الكثيفة والتمهيد الثقافي العميق، إلى تطبيق ثقافتهم في الدول المستعمَرة، وبالتالي مهدوا الطريق للاستعمار الجديد والتأثير على الشعوب. كانت هذه الحيلة مؤثرة، فالدول المستعمَرة اليوم هي مُقلِّدة وتابعة ثقافياً للدول المستعمِرة.
التغيير في أخلاق الشعوب:
تمكّن المستعمرون من السيطرة على الدول المستعمَرة عندما نجحوا في تغيير أخلاقها وطريقة تعاملها وسلوكها وقولها وأفعالها، ووضعوها وفقاً لأهدافهم ومطالبهم؛ لدرجة أن السلوك الأخلاقي للشعب المستعمَر، وقول وفعل الشباب والنساء وعامة المواطنين، تشكّل وصُنع بالإلهام من الدول المستعمِرة.
يرى الجيل الجديد من الدول الإسلامية أن نجاحهم وفوزهم يكمن في الاقتداء والتقليد اللامحدود للدول الغربية والمستعمِرة، ولذلك يعتبرون أخلاقهم وسلوكهم هي مصدر كل تقدم.
ضخ الأموال والثروات الطائلة:
قامت الدول المستعمِرة، من خلال استغلال الماديات وضخ الأموال والثروات الطائلة في الدول المستعمَرة، بتهيئة الأرضية لتنفيذ أفكارها وخططها الاستعمارية، وقد نجحوا في هذا الطريق أيضاً.