مع بداية الحروب الصليبية في الشام وبلاد الجزيرة العربية، تعرّضت مدينة حلب مرارًا لهجمات الصليبيين، وكانت ذروة هذه الهجمات في حصار المدينة سنة ٥١٨ للهجرة.
كانت هذه المدينة تتمتّع بموقع استراتيجي مميّز من الناحية العسكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، حتى إنّها كانت تُعدّ طريقَ الاتصال بين إمارتي الصليبيين: «الرها» في شرق جزيرة الفرات، و«أنطاكية» في غرب البحر الأبيض المتوسط، ولذلك فإنّ الاستيلاء عليها، بما يُتيح الربط بين هذين الإقليمين وتوفير طرق آمنة للتنقّل بينهما، ويُسهم في إقامة وحدة سياسية وعسكرية بينهما، كان سيؤدّي إلى فصل أراضي التركمان المسلمين، الذين كانوا منتشرين في أجزاء من الجزيرة، وفرات الأناضول، وشمال الشام، وكانت وحدة هذه المناطق قادرة على تنظيم حركة جهادية فعّالة في مواجهة الصليبيين، فمن هذا المنظور، اكتسبت مدينة حلب أهميّة كبيرة لدى الصليبيين، وكان يمكن أن تلعب دورًا بارزًا في تحقيق مصالحهم وأهدافهم.
في تلك الأثناء، كانت أحداث تجري في مدينة حلب زادت من تعقيد الوضع وحساسيته، حيث تُوفّي رضوان بن تاج الدولة، ابن تُتُش السلجوقي، في سنة ٥٠٧ هـ. وبما أنّ أبناءه لم يكونوا يمتلكون الكفاءة اللازمة لإدارة شؤون الحكم، فقد فقدت السلطة السياسية هيبتها وتفكّك التنظيم العسكري. وكانت نتيجة هذه التحديات الداخلية أن تمرّد الجنود في سنة ٥١١ هـ على لؤلؤ، ابن رضوان وخليفته، فقتلوه، وبلغت الفوضى ذروتها، وأصبحت حلب هدفًا سهل المنال.
وقام روجر حاكم أنطاكية بتعيين يارقطاش الأرمني نائبًا للحاكم في حلب. وفي المقابل، أنفق يارقطاش أموالًا لتحقيق هذا المنصب، وتنازل عن بعض امتيازاته لصالح روجر. فعلى سبيل المثال، سلّم امتياز جباية الضرائب من القوافل التجارية إلى روجر، وتجاوز ذلك إلى أن أصبح روجر هو الشخصية السياسية الأقوى في حلب، حتى إنّ عزل وتعيين أمراء المسلمين كان يتم تحت إشرافه المباشر، وبعبارة أخرى، أصبحت مدينة حلب عمليًا تُدار تحت راية الصليبيين.
وكان سكّان حلب، الذين أنهكتهم هذه الفوضى، قد رأوا أنّ الصلاح في أن يُسلّموا مصير مدينتهم إلى حاكم قويّ قادر على تدبير شؤونها. ولذلك، طلبوا في نفس العام من إيلغازي الأرتقي، حاكم ديار بكر، أن يُضمّ حلب إلى سلطانه. فاستجاب إيلغازي لهذا الطلب، وبسط نفوذه حتّى حلب، وأعلن سيطرته على المدينة وما يتبعها من المناطق.
لكنّ الانشغالات السياسية الكثيرة التي كانت لدى إيلغازي في ديار بكر، حالت دون حضوره إلى حلب وقيامه بما يلزم لمعالجة مشكلاتها، مما أوجد فراغًا استغله الصليبيون لزيادة هجماتهم على حلب ومناطقها المجاورة، والاستفادة القصوى من تلك الأوضاع. واستمر هذا الحال حتى سنة ٥١٦ هـ، حين تُوفِّي إيلغازي الأرتقي، فسعى الصليبيون إلى تقسيم حلب بين أبنائه، لإرباك التنظيم الدفاعي، واستغلال الضعف الناتج عن ذلك لتسريع زحفهم في شمال الشام. غير أن هذه المؤامرة أُحبِطت بقيام بلك بن بهرام، ابن أخي إيلغازي، الذي رفع راية الجهاد ضد الصليبيين، وتمكن من خلال مقاومته من دفع شرّ الأخطار التي كانت تهدد حلب.
لم تدم دولة بلك بن بهرام طويلًا، فبعد سنتين من حكمه، قُتِل وانتقل الحكم إلى ابن عمه عديم الكفاءة وضعيف الهمة، حسام الدين تمرتاش. ومع موت بلك بن بهرام، عاود الصليبيون التفكير في الهجوم على حلب لتحقيق حلمهم بالسيطرة عليها.
وقد صوّر المؤرخ ابن العديم حال حلب في عهد تمرتاش بقوله: «لما تولى تمرتاش حكم حلب، شغله اللهو عن تدبير شؤون الدولة، فعمّ الفوضى في المدينة، ودبّ الضعف في إمارة المسلمين»[1]
و ما إن تولّى تمرتاش زمام السلطة حتى بادر إلى إطلاق سراح بلدوين الثاني، ملك بيت المقدس، الذي كان قد أُسر في إحدى المعارك ضد الصليبيين على يد بلك بن بهرام، وذلك مقابل مبلغ ضئیل، ولم يكتفِ بذلك، بل أدخله إلى مجلس لهوه، وأهداه خلعة ملوكية، وأعاد إليه فرسه الذي أُخذ منه غنيمة أثناء أسره.[2]
ولأنه لم تكن لديه رغبة في الصمود أمام الصليبيين، تراجع إلى مقره الرئيسي في ديار بكر، وبذلك تهيأت الفرصة للصليبيين ليُطبقوا الحصار على مدينة حلب، ويحققوا أحلامهم التي طالما عجزوا عن بلوغها. وقد تعرّضت هذه المدينة (كما مرّ) في سنة ٥١٨ هـ لحصار من قِبَل النصارى، وشهدت واحدة من أعنف المعارك في تاريخ الحروب الصليبية.