
الكاتب: المولوي عبدالصمد شاكر
القلم أمانة ومسؤولية
في عالمٍ تداخلت فيه الأصوات وتشابكت فيه الأقلام، يُعتبر الكاتب الصادق ميزان الحكمة، ولسان العدل، والعين الساهرة على الوعي.
هنا نستذكر ما قاله عبد الحميد للكتّاب في وصيته الخالدة.
ليست هذه الوصية مجرد توجيهات مسلكية، بل هي ميثاق إنساني وثقافي يرسم الصورة الحقيقية للكاتب، ويفتح أمامه آفاقًا أخلاقية وفكرية سامية، ويضعه في مصاف الحكماء والمصلحين.
يذكّر عبد الحميد الكتّاب بنعم الله عليهم قائلاً: «لقد وضعكم الله جل جلاله في أسمى وأعلى مكان؛ لأنكم أرباب الأدب، والشجاعة، والعلم، والوقار. بكم يُقام صلاح بنيان الخلافة الإسلامية، وتُصلح سُبلها، وبنصائحكم يُصلح الله جل جلاله زمامَ الناس، وتُعمّر الأوطان. لا يستغني الملك عنكم أبدًا، والكفاية التامة لا تُنال إلا بكم. منزلتكم بجانب الملك، وأنتم أذناه، وأعيناه، ولسانه، ويداه. لقد اصطفاكم الله جل جلاله بفضل خاص من فنه، وأنعم عليكم بنعمة مخصوصة؛ فلا تسلبوا هذه النعمة منكم».
الكاتب الداعية والأديب المؤتمن ليس مجرد صانع كلمات وناسخ صفحات، بل هو الروح والوجدان الحي للأمة. المجتمع يأخذ نظامه وإصلاحه منه، وتُقام الدول على نصحه. إنه أذن الحاكم وعينه ولسانه ويده، وحارس قيم العدل والإصلاح؛ لأن كل خَطّ ولفظ وكلمة منه هي في نظره رسالة، ومهمة، وأمانة.
الكتابة ليست مهنة، بل هي مروءة
تظهر من وصية عبد الحميد رؤية أخلاقية عالية جدًا تجعل الأدب والكتابة مسلكًا مقدسًا للمروءة والوقار والعفة. لا يبلغ الكاتب الكمال إلا إذا جمع كل الخصال الحميدة في نفسه؛ مثل:
-التحمل والصبر وقت الغضب؛
-الثبات وقت اتخاذ القرار؛
-العدل في الحكم؛
-الإنصاف في القول؛
-الوفاء في الشدائد.
لأن هذه هي القيم التي تجعل القلم ميزان الضمير، لا أداة للنفس والمصالح الشخصية.
الكتابة مدرسة فكرية سامية، والكاتب مُكلَّف بأن يكون مُطَّلعًا في هذه المدرسة على الدين، واللغة، والشعر، والتاريخ، والحساب؛ لأن الثقافة وحدة غير قابلة للتجزئة، ولا يُتصور كاتب يجهل تراث أمته أو يستهتر بلسانه، يجب أن يكون الكاتب على دراية بالأحداث، وقادرًا على وضع كل شيء في موضعه المناسب، وإدارة التقلبات المفاجئة بحكمة عبر ريشة قلمه.
القلم أمانة
من السمات العظيمة لهذه الوصية دعوتها الكتّاب إلى التواضع؛ وتنقيتهم من كبر النفس والأنانية، ولفت انتباههم إلى استشعار النعمة الإلهية في العلم والفضل.
الكاتب الذي يغرق في غرور قلمه، وينسب النجاحات إلى مهارته لا إلى توفيق ربه، لن يصير كاتبًا صادقًا أبدًا؛ لأن العلم أمانة، والموهبة عهد، وكلاهما يُوظَّف للخير والإصلاح فقط.
هذه الوصية من عبد الحميد تُعلّم الكتّاب درس الأخوّة والتعاون والرحمة. إذا ضاقت الحياة على أحد منهم، وجب على الآخرين أن يساندوه حتى يستقيم حاله. إذا انقطع أحدهم عن العمل بسبب الكِبَر، وجب احترامُه ومشاورتُه والاستفادة من خبراته. لا ينبغي للعلم أن يكون سببًا للغطرسة والابتعاد عن الناس، بل وسيلة للتقارب والترابط.
يجب على الكاتب أن يستخدم اللين والحكمة في تربية الناس، كما يعرف المروض طبيعة الحيوان ويهديه برفق؛ كذلك يجب على الكاتب أن يعرف أخلاق الناس ويسوقهم إلى الصراط المستقيم بصبر وحسن حِلم، دون إكراه أو شدة؛ لأن العلم لِين، والتربية أدب، والحكمة مُرونة.
الكاتب والحاكم
علاقة الكاتب بالحاكم ليست علاقة عبودية أو تبعية، بل هي علاقة عقل ومشورة وإصلاح. الكاتب ليس خادمًا للحاكم، بل شريكه في إقامة العدل والإصلاح، بقلمه يُصلح الحكام وتُعمَّر الأوطان. هذا المنظور يُبقي الكاتب مُصلحًا في صميم أمره، لا مُتَبِعًا للسلطة.
الابتعاد عن التبذير وطلب الراحة
في هذه النصحية، يوصي عبد الحميد الكتّاب بالزهد والاعتدال، ويحذرهم من الإسراف والتبذير. إن طلب الراحة والرفاهية يفسد القلم، ويذهب بجمال العلم، ويُطفئ نور الفكر. القلم لا يعيش إلا في أجواء الوسطية والجدية والتواضع.
الخلاصة
الكاتب ليس إنسانًا عاديًا عابرًا في التاريخ، بل هو حامل رسالة ووارث للحكمة. كل خَطّ وكل لفظ وكل كلمة من قلم الكاتب هي في معتقده عمل إصلاحي، ودلالة رحمة، وصوت للضمير. هنا، إن كان الحكام يحكمون أجساد الناس، فإن الكتّاب يملكون عقول الناس وقلوبهم.
يصل الكاتب إلى الكمال حين يدرك أن الكتابة هي عبادة في محراب الفكر، وجهاد فكري في سبيل الحق، وسعي نحو الكمال الإنساني، الكتابة ليست مجرد مهنة، بل هي عهد أخلاقي وعقد ثقافي بين الكاتب والأمة، وبين الكاتب ونفسه، ومن عرف هذه الأصول وحفظ قلمه عن أهواء النفس، استطاع بقلم أن يُنير وجه الزمان والظروف.