
الكاتب: رحمت الله الرحماني
إفشاء السلام هو أفضل هدية إسلامية
(الجزء الثاني)
الأدب له أقسام كثيرة، ونذكر منها ما يلي:
۱. الأدب مع الله: أن نحترم صفات الله وأسمائه، وألا نشرك به أحداً في ذاته وصفاته، وأن نعتقد بأنه منزّه عن كل عيب ونقص.
۲. الأدب مع القرآن: أن نتلو القرآن ونضعه في مكان مرتفع. وإذا تلا غيرنا القرآن فعلينا أن نصغي إليه بآذان قلوبنا، وألا نتحدث أثناء التلاوة، وأن نركّز انتباهنا على الآيات المقروءة ونتأمل في معانيها وحقائقها.
۳. الأدب مع الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: أن نُصلّي عليه عند ذكر اسمه في أي مكان أو مجلس، وإذا كان بمقدورنا زيارة قبره الشريف فنسلم عليه باحترام، وإذا حدثت إساءة أو قلة أدب تجاهه، نفدي أنفسنا دفاعاً عنه صلى الله عليه وسلم.
۴. الأدب مع كلام وحديث الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: أن نعمل بسُننه القولية والفعلیة، نقرأ أحاديثه، ونسير حياتنا وفق أقواله. كما يدلّ على ذلك قصة الإمام مالك رحمه الله، إذ كان إذا أراد أن يدرّس الحديث لتلامذته، يغتسل، يلبس ثياباً نظيفة، ويلف عمامته، ويبدأ الدرس بكل احترام وتقدير.
ويُروى أيضاً أن الإمام مالك رحمه الله كان يدرس حين لسعته عقرب في ستة عشر موضعاً، لكنه لم يقم من مكانه احتراماً للحديث، مع أنه كان يتلوى من شدة الألم.[1]
٥. الأدب مع الأستاذ: أن يجلس في مجلس الدرس متربعاً إن استطاع، ويصغي لأقوال الأستاذ بكل أدب واحترام، ويسلم عليه دائماً، وينظره كأب روحي، ولا ينظر إليه بنظرة احتقار. ومن أسباب تقدم الطالب في العلم احترام الأستاذ ودعاءه له بالخير.
على الطالب أن يكون متواضعًا تجاه المعلم، وأن يظل خاضعًا لنصائحه وتوجيهاته، ويعطيه الأفضلية على غيره. هذه هي الثقة بالمعلم التي تزيد من التعمق في التعلم، وألا ينسى أبداً دعاءه له بالخير، قائلاً: «اللهم لا تجعلني أرى عيوب وضعف معلمي، اللهم لا تحرمني من بركة علمه.»
يقول الإمام الشافعي رحمه الله: «عندما كنت أدرس عند الإمام مالك رحمه الله، كنت أقلب صفحات الكتاب بهدوء ورفق ودقة حتى لا يسمع صوت تقليب الصفحات». المعلم كشجر النخل، يجب أن تجلس عنده حتى تثمر عليك ثمار العلم والمعرفة، فمن واجبات الطالب أن يطلب رضا الله تعالى ورضا المعلم، وإذا اختلف معه فلا يغتابه، ولا يفشي أسراره، وإذا اغتيب المعلم فعليه أن يدافع عنه أو يترك المجلس، ويُسلم على الجميع بصوتٍ عالٍ ويُكرم معلمه أكثر من الجميع. وإذا أمكن، في المجلس يختار مكانًا قريبًا من المعلم ليستفيد أكثر من وجوده، ويُراعي الأدب الكامل مع زملائه والحاضرين في المجلس لأن ذلك دليل أدبه واحترامه للمعلم.
إذا كان الأستاذ في حالة انزعاج أو حزن، أو في حالة راحة أو قيام وذهاب، فعلى الطالب أن يمتنع عن السؤال والدراسة، وألا يزعج حاله بسؤال غير مناسب يسبب له الضيق والألم، وعليه أن يطلب السؤال بأقصى أدب ولطف وبأسلوب مناسب، ويجب تجنب الغيبة والحقد على الأستاذ، وأن يراعي حاله وظروفه. وعلى الطالب أن يتحمل جفاء الأستاذ ولا يقلل من عمله أو اعتقاده به بسبب سوء خلقه. وعند اعتراض الأستاذ، يجب عليه الاعتذار واعتبار نفسه المخطئ، وبذلك ينال نعم الدين والدنيا. قيل: إن من لا يصبر على مشقة التعلم يمضي عمره في الجهل والغباء، وعند غياب الأستاذ عن الدرس، ينتظره ولا يجعل ذلك عذرًا لتعطيل درسه إلا إذا كان هناك أمر آخر من الأستاذ، وفي كل حال، لا يسبب له إزعاجًا أو ضررًا، ولا يقطع علاقته به.
٦. الأدب مع الوالدين: أن يكون الإنسان رحيماً مع والديه ويتعامل معهما بلطف ويحترمهما. وعند العودة من السفر يقبل يديهما، ولا يغضب أو يعاتبهما بقسوة، ولا يظهر سوء خلق تجاههما، لأن الله تعالى ذكر حق الوالدين بعد حقه، وقال: «ولا تقل لهما أف»
٧. الأدب مع شعائر الله والإسلام: ألا يُهين بيت الله والمساجد، ولا يبصق على جدران المساجد، ولا يمد رجليه تجاه قبلة الله عند النوم أو الجلوس، وألا يتكلم بكلام فارغ أو دنيوي فيها.
هذا و إن أكبر أدب في الإسلام هو السلام، فمن سلم يحبّه الناس. كما قال الله تعالى في دخول بيوت الآخرين بالسلام: «يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتًا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها ذلكم خيرٌ لكم لعلكم تذكرون. فإن لم تجدوا فيها أحدًا فلا تدخلوا حتى يؤذن لكم وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم والله بما تعملون عليم»[2].
وعندما تصلون إلى باب منزل أحد، فقولوا من الخارج: «السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، هل تأذنون لي بالدخول؟» فإن كان الباب مغلقًا فاطرقوه، وإن كان مفتوحًا فأغلقوه ثم اطرقوه وعرّفوا أنفسكم، وإن كان هناك جرس فاضغطوه ثلاث مرات فقط، فإن بيوت الناس هي مواضع راحتهم وأسرارهم، والدخول عليها دون إذن وإخبار يسبب اضطرابًا في الأمن والسكينة، وكشف العورات، ويؤدي إلى الفتنة وسوء الظن وفقدان الكرامة، والذين يدخلون بيوت الآخرين دون إذن، في أوقات مناسبة أو غير مناسبة، سيشهدون دائمًا اضطرابًا في نظام حياتهم الأسرية. وفي القرى والأماكن التي لا يُراعى فيها هذا الأدب الاجتماعي المهم، وقعت أضرار وخسائر كثيرة. ففي الجاهلية كانت هذه المصائب موجودة، فجاء الإسلام بهداية القرآن وسلوك خاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم، فأزالها وأقام مكانها أدبًا إسلاميًا رفيعًا.
يتبع…
[1]ـ مجالس قطب الإرشاد، العلامة محمد عمر السّربازي، ج٢، ص٥٣.
[2]سورة النور، الآيتان: ٢٧ ـ ٢٨.