السبب الثالث والأهم الذي يترتب عليه الحكم بتحريم الاحتفال بليلة يَلدا هو اشتمالها على محرّمات وكبائر، ومن أبرزها ما يأتي:
۱- الاختلاط بين الرجال والنساء الأجانب
من أوضح المحرّمات والكبائر التي تقع في احتفالات ليلة يَلدا اجتماع الأقارب في البيوت، وما يصاحبه من اختلاط الرجال بالنساء الأجانب عنهم، وهذا بعينه هو الدياثة. يقول الإمام الماوردي رحمه الله: «الديوث هو الذي يجمع بين الرجال والنساء الأجانب.»[1]
وقد بيّن الله تعالى في القرآن الكريم من هم المحارم وغير المحارم، فقال سبحانه: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا)[2].
فانظروا كم يقع في مثل هذه الولائم ـ بحجة العيد والاحتفال ـ من النظر إلى الأجانب! ولا شك أن ذلك واقع لا محالة، لأن اختلاط الرجال بالنساء الأجنبيات يستلزم حتمًا النظر المحرّم، مع أن رسول الله ﷺ يقول: «كُتِبَ على ابن آدم نصيبه من الزنا، مُدرِكٌ ذلك لا محالة؛ فالعينان زِناهما النظر، والأذنان زِناهما الاستماع، واللسان زِناه الكلام، والقلب يهوى ويتمنى، ويُصدّق ذلك الفرج أو يُكذّبه»[4].
سبحان الله! كم تقع في هذه المناسبات من زنا اليد، وزنا السمع، وزنا البصر، وزنا القلب، ومع ذلك لا يزال بعض الناس يقولون: إن مثل هذه الاحتفالات حسنة وجيدة!
والمصيبة الكبرى والعظمى أن النساء ـ بحجة كونها أيام عيد واحتفال ـ يتعطرن ويتزينّ للمشاركة في هذه المجالس، ويُظهرن زينتهن للأجانب، ويدخلن في هذا الاختلاط المحرّم وهنّ متطيّبات، مع أن رسول الله ﷺ قال:«كل عين زانية، والمرأة إذا استعطرت فمرّت بالمجلس فهي كذا وكذا»[5] يعني: زانية. فلينظر من يحضر هذه المجالس في حاله، وليحاسب نفسه، وليجب عن هذا السؤال: هل يرضى الله تعالى عن مثل هذه الأعمال؟ وهل يمكن لمثل هذه الاحتفالات أن تكون سببًا لرضا الله، وأن تقرّب العبد منه؟
[4] النيسابوري، مسلم بن الحجاج، صحيح مسلم، جـ4، صـ۲۰۴۶، كتاب القدر، باب: قُدِّر على ابن آدم حظُّه من الزنا وغيره، رقم الحديث: ۲۶۵۷، دار إحياء التراث العربي، بيروت
[5] الترمذي، محمد بن عيسى، الجامع الصحيح (سنن الترمذي)، جـ۵، صـ۱۰۶، كتاب الأدب، باب: ما جاء في كراهية خروج المرأة متعطِّرة، رقم الحديث: ۲۷۸۶، دار إحياء التراث العربي، بيروت.