وهناك مثلٌ مشهور بين العرب يقول: «بعض الرجال كالتاريخ؛ لا يُعاد ولا يُنسى». فمنذ بداية تاريخ البشرية وظهور الإنسان ونزوله إلى الأرض وحتى يومنا هذا، وُجدت دائمًا شخصيات وعظماء كان لهم نصيبهم من التاريخ، واحتلوا حيّزًا كبيرًا منه، وجعلوا منه حظًا ملحوظًا لهم، وخلّدوا أسماءهم الحسنة في صفحاته، وفي المقابل، كان هناك أناسٌ سُجلت أسماؤهم في التاريخ، ولكن لا بالبرّ والخير، بل بأفعالهم السيئة، واقترنت أسماءهم باللعن والعار عبر القرون، ولذلك، فإن موضوع النقاش في هذا المقال ليس بيان مجرد الحضور في التاريخ، بل بيان فرد له الدور البنّاء، والتأثير العميق، والنتائج المصيرية، والقيمة التي تركها في التاريخ، مما جعله خالدًا فيه بالاسم الحسن والذكر الطيب.
نشأ الإمام الحسن البصري رحمه الله في المدينة المنوّرة بين أناس كانوا من خير أهل زمانهم، وقد تعلّموا الدين مباشرة من الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم دون واسطة، وكانوا ملتزمين بجميع أحكام الشريعة المقدسة، وقد قال الله تعالى في شأنهم: «محمدٌ رسولُ اللهِ والذين معه أشدّاءُ على الكفّارِ رحماءُ بينهم تراهم رُكّعًا سُجّدًا يبتغون فضلًا من اللهِ ورضوانًا سيماهُم في وجوهِهم من أثرِ السجودِ» [الفتح: ٢٩]
وقد وُلِد الإمام الحسن البصري رحمه الله تعالى في قرن وُصِف بأفضل القرون، كما قال الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: «خَيرُ أُمَّتي قَرني، ثمَّ الذينَ يَلونَهم، ثمَّ الذينَ يَلونَهم.»
إن العيش في مثل هذه البيئة لا بد أن تُنبت شخصياتٍ لا تكون فقط من أعلام التاريخ، بل من صنّاعه، ويزيّنون صفحاته بأنشطتهم وتأثيرهم، فقد وُلِد الإمام الحسن البصري رحمه الله في قلب مثل هذا المجتمع، ونشأ بين هؤلاء الرجال العظام وبلغ الكمال، وتعلّم الدين من مدرسة هؤلاء الكبار وفي مثل هذا العصر، وكان يرتاد مسجد الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، ويلتقي الصحابة الكرام، ويسمع منهم، فحفظ القرآن وتعلّم كثيراً من الأحاديث، ونهل من أقوال وآراء الصحابة الذين ارتووا من منبع النبوة.
كان الإمام الحسن البصري رحمه الله منذ صغره ذا ذكاءٍ حاد، وكان في شبابه شديد الفطنة والنباهة، حتى إنه بدأ في المدينة المنورة تعلُّم الكتابة والحساب وهو ابن أربع عشرة سنة، وكان شاباً موهوباً ومجتهداً، فبناءً على كفاءته عُيِّن كاتباً لوالي خراسان، ربيع بن زياد الحارثي. ومع ذلك، لم ينقطع في شبابه عن التعلُّق بالبيت الحرام، وتحصيل العلوم والمعارف الإسلامية من الصحابة الكرام، فكان دائماً في طلب العلم، لا يدّخر جهداً في سبيل العلم.
كانت والدة الإمام الحسن البصري رحمه الله خادمة لأم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها، وكان الإمام الحسن البصري في طفولته على علاقة وثيقة بأم المؤمنين، وقد ذكر كثير من المؤرخين أن والدته كانت تضطر لتركه بسبب أشغالها، فكانت أم سلمة رضي الله عنها تحتضنه، وتُرضعه، وتلعب به حتى تعود أمه، وقد قال بعضهم: إن فصاحة الإمام الحسن البصري كانت من بركة لبن أم المؤمنين.
إن هذه العلاقة الوثيقة بين الإمام الحسن البصري وأهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت بلا شك سببًا للبركة، وقد جعلته هذه الميزة يتعلّم في طفولته كثيرًا من الأمور في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، مما جعل منه في النهاية إمامًا زاهدًا، وقائدًا تقيًّا، وعالمًا ماهرًا، وفقيهًا بارزًا، ومحدّثًا خبيرًا، وشخصيّةً يُحتذى بها، ولأن يبقي له دور بارز في التاريخ الإسلامي عبر العصور، كما أن الإمام الحسن البصري رحمه الله شهد الهجوم على بيت سيدنا عثمان رضي الله عنه واستشهاده وهو يتلو القرآن، فقد عاين الفتنة عن قرب، ورأى عواقبها، ونشأ وترعرع في ظل تلك الظروف.
الهدف من كتابة سيرة الإمام الحسن البصري رحمه الله
من الناحية اللغوية، فإن «السيرة» في اللغة الفارسية الدرية تعني الطريقة، والأسلوب، والعادة، والسُنَّة، والدين، والترتيب والنظام، أما في الاصطلاح العام، فالسيرة تعني تاريخ الأحداث، ونهج السلوك والتصرف، وأسلوب الحياة، وأخلاقيات الفرد في مجالات الحياة الفردية، والفكرية، والأخلاقية، والعبادية، والاجتماعية، والسياسية، وهي مستخلصة من مراحل حياته.
إن كتابة السيرة كانت ولا تزال منذ فجر الإسلام وحتى اليوم تُعدّ تقليدًا راسخًا في الدين الإسلامي الحنيف، ونشاطًا مجتمعيًا ذا أهمية وتأثير بالغ، وقد بدأ هذا العمل التاريخي لأول مرة على يد معاصري عصر النبوة من الصحابة الكرام (رضوان الله تعالى عليهم أجمعين) الذين قاموا بعناية خاصة، حيث قاموا بحفظ وتدوين وتوثيق سيرة الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم) وتركوا سيرته الشريفة إرثًا ثمينًا للأجيال القادمة، وفي العصور اللاحقة، تطور هذا النهج في كتابة السير ليشمل الخلفاء الراشدين، والسلاطين، والعلماء، بل حتى مختلف فئات المجتمع، وذلك في قالب ما يُعرف بـ «الترجمة الذاتية.»
لقد نُبِّه في القرآن العظيم على مسألة الاقتداء، حيث تمّ تقديم سيرة الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، ونمط حياته، وأسلوبه في التعامل والمعيشة، كنموذج يُحتذى ويُقتدى به، ويُتَّبع، لأنه خيرُ البشر وأفضلُ من يُتأسّى به، كما قال الله تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا)[الأحزاب: ٢١]
ولا شكّ أن النماذج والقدوات البارزة في المجتمع الإسلامي قد أثّرت تأثيرًا عميقًا ودائمًا في حياة الناس وتربية الأجيال، وكان لها دور فعّال في بناء شخصية الفرد والمجتمع المسلم. ولهذا، فقد نظر الإسلام نظرةً عميقة إلى مسألة التربية الإنسانية، وقدم رجالًا ونساءً تميزوا في مجالات الفكر والعقيدة والسلوك والأخلاق والاجتماع والإنسانية والمعرفة بالله والتمسك بالقيم الدينية، على أنهم قدوات فريدة، كل ذلك ليستلهم منهم الأجيال القادمة طريق حياتهم وسلوكهم.
فالاقتداء في الإسلام، ليس فقط جائزًا، بل يُعدّ من الضرورات الدينية التي يمكن أن تسهم في إزالة الرذائل ونشر الفضائل في المجتمع. وهذا الاقتداء، الذي يُطلق عليه عامة الناس أحيانًا «تقليد»، يُعتبر في ميادين الإحسان والسلوك الحسن عملاً محمودًا، ويُعدّ طريقًا مختصرًا للإصلاح والتزكية والتجمّل بسيرة الصالحين والأخيار؛ كما قال الإمام الشافعي رحمه الله:
أحب الصالحين ولست منهم
وأرجو أن أنال بهم شفاعة
ولذلك، فإن الهدف الأساسي من السيرة النبوية والمضمون الأساسي لها هو التعليم، لكي نتعلم سيرة الشخصيات والأفراد الصالحين من أمة الإسلام ونقتدي بهم، بالاقتداء بأسلوب حياتهم وسلوكهم، يمكننا أن نعيش حياة طيبة في مجتمعنا ومع إخوتنا بسلام ووقار تحت ظل العبادة. ما أجمل أن نختار من بين العديد من الشخصيات الإسلامية الإمام حسن البصري (رحمه الله) قدوة لنا، لأنه كان مثالًا كاملًا في التقوى والورع، والزهد والمعرفة بالله، والأخلاق الاجتماعية، والعبادة، والارتقاء الروحي.