
الكاتب: المفتی نصرت الله عصمتي
الدنيا في مرآة الحقيقة
(الجزء الثاني)
دراسة معنى ومفهوم الدنيا
يمكن دراسة معنى الدنيا من وجهتين: لغوية واصطلاحية.
المعنى اللغوي: الدنيا مأخوذة من أصلين:
أ) «الدنو» بمعنى القُرب، سواء كان قرباً ذاتياً أو زمانياً أو مكانياً أو من حيث المرتبة.
ب) «الدناءة» بمعنى الحقير والوضيع. وكلمة «أدنى» تُستعمل في كلا المعنيين.
والمعنى الاصطلاحي: في الاصطلاح، الدنيا تشمل جميع الموجودات، من الأرض والأشجار والحيوانات والبشر والنباتات والمعادن وكل ما هو موجود في هذا العالم. لكن مفهوم الدنيا يختلف بالنسبة للإنسان، فكل إنسان يُعرّف الدنيا بحسب مدى تمتّعه بلذّاتها ونِعَمها.
سبب تسمية الدنيا
سُمّيت الدنيا بهذا الاسم لسببين رئيسيين:
۱. لقربها من الإنسان: فالدنيا أقرب إلى الإنسان من الآخرة، كما قال الله تعالى: (وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى).
۲. لدناءتها وحقارتها: فالدنيا بالنسبة إلى الآخرة حقيرة وناقصة، كما قال الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: «لَمَوْضِعُ سَوْطٍ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا».
علاقة الإنسان بالدنيا
تنقسم علاقة الإنسان بالدنيا إلى نوعين:
1.العلاقة القلبية بالدنيا: وهي المحبة والتعلّق القلبي بها، بحيث يصبح الإنسان مرتبطًا بالأمور الدنيوية، وهذه العلاقة مذمومة في نظر الشريعة.
2.العلاقة البدنية بالدنيا: وهي انشغال الإنسان وسعيه في أمور الدنيا، وهذا النوع من العلاقة غير مذموم، بل هو محمود ومطلوب، لأنّ الدنيا وسيلة للوصول إلى الآخرة.
أبو سعيد أبو الخير رحمه الله، وهو من كبار العارفين، صنع مسامير إسطبل فرسه من الذهب. فلما رأى أحدهم ذلك بتعجّب، قال له: «لقد جعلنا المسمار في الطين، لا في القلب!»
ويقول مولانا في هذا المعنى:
الماء تحت السفينة دعمٌ لها،
لكن الماء داخل السفينة هلاكٌ لها.
سُنَّةُ اللهِ تَعالى في خَلقِ الدُّنيا
إنّ الله تعالى زيَّن هذا العالم في نظامِ الخَلقِ بجمالاتٍ وجاذبيّاتٍ متنوّعةٍ، كالنِّساءِ والبَنينَ، والذَّهب والفِضّةِ، والحَيَواناتِ النَّفيسةِ. فهذه النِّعَمُ خُلِقَت لِخِدمةِ الإنسانِ، ولتَكونَ وسيلةً لاختبارِه. ولذلك، لا ينبغي للمؤمنِ أن يغرقَ في هذه المَغرياتِ الزَّائِلةِ، فيغفُلَ عن الآخرةِ.، وإنّ التَّقوى هي المفتاحُ للنَّجاةِ من هذه الغَفلةِ والوُصولِ إلى الجَنّةِ الخالدةِ.
حقیقةُ الدُّنیا والآخِرة
۱. فَهمُ حقیقةِ الدُّنیا والآخرة: كما أنّ الإنسان في هذه الدُّنيا يُدرك واقِعَها مِن خلالِ حَواسِّه، ويُؤمِنُ بوجودِ الأرضِ والسَّماءِ وآلافِ الحقائقِ الأُخرى، فكذلك في الآخرةِ سيُشاهد الجنّةَ والنّارَ وسائرَ حقائقِها بِوُضوحٍ. وكما أنّ العالمَ المادّيّ حقيقةٌ لا يُمكنُ إنكارُها، فإنّ الآخرةَ أيضاً واقعٌ قَطعيٌّ ومُسلَّمٌ به، فالإيمانُ بالآخرةِ قائمٌ على العَقل والنَّقل، ونحنُ ننتظرُها بيقينٍ تامّ.
۲. فَناءُ الدُّنیا وخُلودُ الآخرة: إنّ الدُّنیا وما فيها إلى زَوالٍ، أمّا الآخرةُ فهي باقِيةٌ أبداً. وفي العالَمِ الآخِرِ ينالُ الإنسانُ حياةً أبديةً لا يعتريها فَناء، كما أنّ النِّعَمَ الموعودة للعِبادِ الصالحينَ ستكونُ ثابتةً لا تَزول.
۳. ضَعفُ الإنسانِ الفِطريّ في الالتفاتِ إلى الدُّنيا: ولأنّ الدُّنيا ونِعَمَها حاضِرةٌ دائماً أمامَ أعينِ الإنسان، بينما الآخرةُ غيبٌ، فإنّ الميلَ إلى الدُّنيا يغلِبُ حتّى على كثيرٍ منَ المؤمنين. وهذا كحالِ الطِّفلِ الذي يَتعلّقُ بشدّةٍ بألعابهِ لعدمِ معرفتهِ بالمستقبل، فكثيرٌ منَ الناسِ لا يهتمون اهتمامًا كافيًا لتحذيراتِ الأنبياءِ والكتب السَّماوية.
۴. تأكيدُ الأنبياءِ على قِيمةِ الآخرة: لقد كان الأنبياءُ دائماً يُحذّرونَ الناسَ من الغفلةِ عن الآخرةِ، ويُذكّرونَهم بمكانتِها العظيمة. قال الله تعالى في القرآن الكريم: «بل تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى.»
۵. إرشادُ الأنبياءِ حولَ الدُّنيا والآخرة: مِن أَهَمِّ رَسائلِ الأنبياءِ أنّ الإنسانَ ينبغي أن يَزهدَ في الدُّنيا ولا يَثِقَ بها، فلا تكونُ الدُّنيا هي الغايةُ الأُولى، بل تكونُ الآخرةُ هي الدّارُ والمَقصدُ الأبديّ. وللوصولِ إلى سعادةِ الآخرةِ، لا بُدَّ أن يَتوجه قلبُ الإنسانِ إليها، وأن تَترسَّخَ فيهِ هذه الحقيقة: «إنَّ الحياةَ الحقيقيةَ هي حياةُ الآخرة». وكان الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم كثيرًا ما يُبيِّنُ في خُطَبِهِ ومواعِظِهِ فَناءَ الدُّنيا وزوالَها.
٦. ذمُّ الدنيا في مُقابلِ الآخرة: لقد وردَ في القرآنِ والأحاديثِ ذمُّ الدنيا التي تَشغلُ الإنسانَ عن الآخرة وأما إذا كانتِ الدنيا وسيلةً لخدمةِ الدِّينِ والتقرُّبِ إلى اللهِ تعالى، فإنها لا تُذمّ، بل تكونُ طريقاً إلى الجنة، فينبغي للإنسانِ أن يَستعملَ الدنيا ببصيرةٍ وتقوى، ويجعلَها جسراً للآخرة، وألا يَتعلّقَ بزخارفِها الزائلة. فالآخرةُ هي الدارُ الحقيقيةُ والمقرُّ الأبديُّ للإنسان، فوجبَ الاستعدادُ لها.
يتبع…