مقدمة:
في المباحث السابقة ذكر أصلان (التوحيد والعدل)، وفي هذا المبحث سنبيّن أصل «الوعد والوعيد» الذي هو فرع من أصل «العدل»؛ لأننا عندما ندرس المسائل التي بيّنها أصل العدل، نجد أن معظم هذه المسائل تتكرر في هذا الأصل أيضاً، لذلك من المناسب ذكره مباشرة بعده. في هذا القسم سنكتب بعض الموضوعات المتعلقة بأصل «العدل» والتي لم تُذكر في القسم السابق، وهذه المسائل تتعلق بـ «لطف الله وهدف ومقصد بعثة الأنبياء».
لطف الله تعالى
من المسائل المتعلقة بأصل العدل هي مسألة لطف الله تعالى، حيث يوجب المعتزلة اللطف من الله تعالى تجاه عباده. يكتب القاضي عبدالجبار في هذا الصدد: «اللطف هو ما يختار به العبد الواجب ويبتعد به عن الفعل القبيح والمنكر، أو يقربه من المأمور به ويبعده عن المنهي عنه». وللطف أسماء أخرى عند المعتزلة، فالقاضي عبدالجبار في كتابه «شرح الأصول الخمسة» يذكر: «للفظ اللطف أسماء مختلفة، أحيانًا يُسمى توفيقًا، وأحيانًا عصمة، وأسماء أخرى سنذكرها في مواضعها المناسبة».
وجهة نظر أهل السنة والجماعة
يرى أهل السنة والجماعة أن اللطف من الله تعالى لمن يشاء، لكنهم لا يجعلونه واجبًا كما يعتقد المعتزلة، بل هو نوع من الإحسان والفضل من الله على عباده، وهذا ما نعبر عنه في اصطلاحنا بـ «التوفيق إلى الخير والابتعاد عن الشر».
الآيات التي تدل على هذا المعنى كثيرة، ومنها قوله تعالى: (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا) (النساء: ۸۳) وهذا يدل على أن الفضل والرحمة من الله هي التي منعت المؤمنين من اتباع الشيطان.
وفي موضع آخر يقول تعالى: (فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ *قَالَ تَاللَّهِ إِن كِدتَّ لَتُرْدِينِ* وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ) (الصّافات: ۵۵-۵۷)
وهذه النعمة التي أنقذت المؤمن من النار تسمى لطف الله تعالى. يقول ابن تيمية رحمه الله: «أهل السنة متفقون على أن العبيد لا يستطيعون أن يجعلوا شيئًا واجبًا على الله تعالى».
بعثة الأنبياء
من المسائل المرتبطة بأصل العدل أيضًا بعثة الأنبياء، حيث يربط المعتزلة هذا الصفة بالعدل بقوله: «سبب ارتباط بعثة الأنبياء بالعدل هو أنه عندما يعلم الله تعالى أن صلاحنا مرتبط بهذه الشريعة، يجب عليه أن يبين لنا ذلك، حتى لا يخالف ما هو واجب عليه، والعدل يعني أن لا يحدث نقص في ما هو واجب».
يكتب الإمام الغزالي رحمه الله عن رأي المعتزلة في بعثة الأنبياء: «نحن نقول إن بعثة الأنبياء عليهم السلام جائزة وليست واجبة أو مستحيلة، أما المعتزلة فيقولون: بعثة الأنبياء واجبة، وقد سبق وأن أجبناهم، والظاهر أنهم يرونها مستحيلة».
وجهة نظر أهل السنة
يؤمن أهل السنة والجماعة أن بعثة الأنبياء منّة وإحسان من رب العالمين على عباده، لتبليغ ما فرضه الله عليهم من الشرائع، ومنع ما نهاهم عنه، وإخبار المتقين بما وعدهم، وتحذير العصاة مما هددهم به. يقول العلامة الأسفاريني الحنبلي رحمه الله:
«إن إرسال الأنبياء ونزول الكتب وشرع الشرائع هو منّة وإحسان من الله تعالى على عباده، وليس ذلك واجبًا على الله».
الأصل الثالث: الوعد والوعيد
في هذا الأصل، نريد أن ندرس كلّ جزء منه على حدة ونبحث فيه بدقّة. في البداية، سنناقش مصطلح «الوعد» من وجهة نظر المعتزلة، ثم نعرض أدلة «أهل السنة والجماعة» في هذا الصدد.
الوعد
عند المعتزلة: يُطلق الوعد على كلّ ما يتضمّن إيصال الخير إلى الغير، أو دفع ضرر ومشقّة عنه في المستقبل. ولا فرق عندهم بين أن يكون هذا الشيء محمودًا ومستحسنًا ويستحقّه، أو لا يكون كذلك.
الوعيد
الوعيد هو: كلّ خبر يتضمّن ضررًا يصيب الغير أو فوات منفعة عنه في المستقبل، سواء كان هذا الشيء مستحسنًا ومُستحقًّا، أو لا.
يرى المعتزلة في أصل «الوعد والوعيد» أنّه يجب على الله تعالى أن يُنجز ما وعد به وما توعّد عليه؛ ولذلك، يجب عليه أن يُثيب المطيع، ويُعاقب العاصي والمذنب، وإن لم يفعل ذلك، فقد خالف وعده ووقع في الكذب، وهذا يؤدّي إلى فساد في التدبير، وهو ما يُنَزَّه عنه.
تعريف الوعد
في اللغة:
قال الخليل بن أحمد الفراهيدي في «كتاب العين» في مادة «وعد»: «الوعد والعدة مصدران واسمان، فأما العدة فتجمع على عَدات، والوعد لا يُجمع، والموعد موضع التواعد، وهو الميعاد، والموعد مصدر «وعدته»، وقد يكون الموعد وقتًا للعدة، والموعدة اسم للعدة أي أن «الوعد» و«العدة» يُستعملان مصدرًا واسماً، تُجمع «العدة»على «عدات»، أما «الوعد» فلا يُجمع. «الموعد» هو مكان الوعد أو زمانه.
الوعد الإلهي
الوعود التي تأتي من الله تعالى حقّ لا ريب فيها، ولا بدّ أن تتحقق؛ لأن الله تعالى ذو ذات لا يُخلِف وعده أبدًا، ومن صفات وعده أنه حتمي الوقوع. فمتى وعد الله تعالى بشيء، فإنه ينفّذه؛ لأنه سبحانه قادر على ذلك، ولا أحد يستطيع أن يمنع تحقق وعده.
وقد قال تعالى: (إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ) وقال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ)
ومع ذلك، يجب أن نعلم أن الله تعالى إذا وعد، فليس من الواجب عليه أن يُنجز ذلك من باب الاستحقاق على العبد، أي أن العبد لا يستحق الثواب بالذات مقابل عمله، وإنما الوجوب هنا إنما هو بمقتضى الوعد الذي أطلقه الله تعالى، وهو يفي به من باب كماله الذاتي لا من باب وجوبه عليه.
إثبات وجوب الوعد عند المعتزلة
يرى المعتزلة أن الوعد يعني: من أطاع الله تعالى، وأدّى الفرائض والواجبات، وابتعد عن الكفر، واجتنب ما نهاه الله عنه، فإنه يدخل الجنة. وقد استدلّ المعتزلة لإثبات وجوب «الوعد» بالآية الكريمة: (وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا)
طريقة الاستدلال:
قال الزمخشري: «المراد بقوله: (فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ) أي: وجب ثوابه على الله؛ لأن حقيقة الوجوب هي الوقوع والسقوط.« وقد قال الله تعالى في موضع آخر: (فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا)، أي سقطت، ويقول العرب: «وجبت الشمس» أي سقط قرصها.
والمعنى: أن الله تعالى قد علم كيف يثيبه، وأن هذه الإثابـة قد وجبت على الله تعالى، وقال الإمام الرازي رحمه الله: «قال المعتزلة: هذه الآية (وَمَن يَخْرُجْ…) تدلّ على أن العمل يُوجب الثواب على الله تعالى، وذلك من ثلاثة أوجه:
۱. لفظ «الوقوع»؛ لأنه يدل حقيقةً على الوجوب كما بُيِّن أعلاه.
۲. لفظ «الأجر»؛ لأن الأجر هو المنفعة التي يستحقّها العامل، أما ما لا يُستحقّ فلا يُسمّى أجراً، بل هبة.
۳. قوله تعالى «على الله»؛ لأن كلمة «على» تفيد الوجوب، كما في قوله تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ)
أي: الحج واجب على من استطاع إليه سبيلاً.
ردّ أهل السنّة على المعتزلة
نحن – أهل السنّة والجماعة – لا ننازعكم في أن هذه الآية تدلّ على وجوب ما وعد الله به؛ لكننا نقول: هذا الوجوب هو بمقتضى الوعد والتفضّل والإحسان، لا بمقتضى الاستحقاق، وبيان ذلك كما يلي:
۱. الإنعام والإحسان من المنعِم يستوجب على المُنعم عليه أن يشكر ويخدم،
ونِعَمُ الله تعالى على عباده لا تُعدّ ولا تُحصى، قال الله تعالى: (وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا)
فإذا كان كذلك، فإنّ النِعم السابقة من الله تعالى توجب على العبد أن يشتغل بطاعة الله وشكره،
وأداء الواجب لا يُوجب على الله تعالى شيئاً؛
فلا يجوز أن يكون اشتغال العبد بالطاعة سببًا في استحقاقه للثواب من الله.
۲. العبد لا يدخل الجنة بعمله، بل بفضل الله ورحمته،
قال الله تعالى: (الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ)
أي: من فضله لا من استحقاقنا بأعمالنا.
وجاء في الحديث عن عائشة رضي الله عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «سدِّدوا وقارِبوا وأبشِروا، فإنه لن يُدخل أحدًا عملُهُ الجنة»، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمةٍ ومغفرة». فإذا كان العمل لا يُدخل العبد الجنة، فلا يكون مستحقاً بذلك شيئاً على الله، ولكن ينبغي أن نعلم أن عدم استحقاق العبد لا يُنافي أن الله يوجب على نفسه شيئاً تكرّماً.
ففي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ: «يا معاذ، أتدري ما حقّ الله على العباد؟» قال: الله ورسوله أعلم.
قال: «أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً». ثم قال: «أتدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟»
قال: الله ورسوله أعلم. قال: «أن لا يُعذبهم».
فهذا حق أوجبه الله على نفسه، لا أن العبد أوجبه عليه بعمله.
قول المعتزلة في مخالفة الوعد والوعيد
قال المعتزلة: «من أنكر أن الله وعد الطائعين بالثواب، أو أنذر العصاة بالعقاب، فهو كافر؛ لأنه أنكر ما هو معلوم من الدين بالضرورة. وأما من قال: نعم، الله وعد ووعَد، ولكن يجوز أن يُخالف وعيده لأن مخالفة الوعيد تُعدّ كرمًا ومغفرة، فهذا أيضاً كافر؛ لأنه نسب إلى الله ما هو قبيح ولا يليق به، ولا يجوز أن يُخالف الله وعده ووعيده».
رأي أهل السنة والجماعة
يثبت أهل السنة والجماعة صفة الوعد لله جلّ جلاله، بمعنى أن الله تعالى يوفى بوعده، والوفاء بالوعد حتمي، ولكن ليس بسبب استحقاق أحدٍ، وإنما لأن الله تعالى وجب على نفسه الوفاء بوعده. قال العلامة ابن تيمية رحمه الله في هذا المقام:
«أجمع أهل السنة على أنه متى وعد الله تعالى عباده بشيء، فإن وقوع ذلك الشيء على الله تعالى واجب بمقتضى وعده، لأن الله تعالى صادق في خبره، وهو ذات لا تخلف وعدها أبدا».
ملاحظة: الأصل الثالث عند المعتزلة يتكون من قسمين: «الوعد» و«الوعيد»؛ ولكن هنا، لكي لا يطول البحث ويُملّ القارئ، سنقسم هذا الأصل إلى جزأين، فهذَا الجزء مخصّص للـ«وعد»، والجزء القادم – إن شاء الله – سيكون مخصّصاً للـ«وعيد».
نقطة أخرى: في بعض الأحيان يُذكر رأي أهل السنة والجماعة بإيجاز شديد، وذلك لأن المناقشة التفصيلية لأدلّة أهل السنة والجماعة تكون في الأصل، فهنا يُذكر بشكل موجز فقط.