
الكاتب: خالد ياغي زهي
حكم الاحتفال بليلة «يَلدا» وتاريخها
الجزء الرابع
تاريخ ليلة «يلدا» وبيان حقيقتها
كان أتباع بابك الخُرَّمدين، المعروفون بالخرّميّين، يحتفلون بهذا اليوم ويعدّونه «خُرَّم روز» أي يوم الفرح، ويعتبرونه يوم ولادة الشمس، وجعلوا منه بداية سنتهم الجديدة، ولا تزال هذه المراسم، وكذلك التقويم الذي يبدأ مع فصل الشتاء، موجودة بين بعض الأقوام، ومن أمثلته التقويم المحلي في بامير وبدخشان (شمال أفغانستان وجنوب طاجيكستان). كما يُذكر في التقويم الأرمني القديم أن أول شهر من السنة الجديدة كان يُسمّى «ناواسارد»، وهو مرتبط بالكلمة الأوستائية «نوسَرَذَه» التي تعني «السنة الجديدة».
وكان الإيرانيون القدماء، تعبيرًا عن نجاة الشمس وولادتها، يسهرون الليل كلّه حتى صباح اليوم الأول من شهر دي/جَدي، مترقّبين طلوع الشمس، فيقضون الليل في السهر إكرامًا لها، ويقيمون احتفالًا ليليًا يستمر حتى الفجر لمشاهدة شروق الشمس المولودة حديثًا، وكان من لوازم هذا الاحتفال حضور كبار السن وشيوخ العائلة، رمزًا لشيخوخة الشمس في نهاية الخريف، وكذلك إعداد أطعمة كثيرة تساعد على السهر الطويل، مثل الرمان والبطيخ والسِّنجِد، لما تحمله من اللون الأحمر المشابه للون الشمس.
وكانت الظلمة تُعدّ رمزًا للشيطان، ولأن الظلام في أطول ليلة في السنة يدوم أكثر، عُدَّت هذه الليلة مشؤومة عند الإيرانيين القدماء، فإذا حلّت، أوقدوا النيران لطرد الظلام والقوى الشيطانية وإهلاكها، واجتمع الناس، وقضوا الليل بالأكل والشرب والفرح والرقص والحديث، وبسطوا مائدة خاصة، وضعوا عليها ما ادُّخر من الفواكه الطازجة، إضافة إلى الفواكه المجففة.
وكانت مائدة ليلة يَلدا تُسمّى «مِيَزد»، وتشتمل على الفواكه الطازجة والمجففة، وكذلك المكسرات، أو ما يُسمّيه الزرادشتيون «لُرك»، وهي من مستلزمات هذا العيد والوليمة، وتُقام تكريمًا لخصائص أهورامزدا ومِهر (الشمس)[1].
وفي الطقوس الإيرانية القديمة، كان لكل احتفال أو عيد ديني مائدة تُبسط، يُوضَع عليها – إضافة إلى أدوات العبادة مثل الموقد، ومبخرة العطور، ومجمرة البخور – مختلف الأطعمة الموسمية والمنتجات الغذائية، وكذلك الطعام المقدس المعروف بـ«مِيَزد».
وكان بعض الإيرانيين ينتظرون في ليلة يَلدا، حتى بزوغ فجر الصباح على سفوح جبال البرز، ترقّبًا لإعادة ولادة الشمس. وكان آخرون يتوجهون إلى المِهرابهات (معابد أتباع الديانة المهرية) للعبادة، طالبين من الله انتصار مهر وهزيمة أهريمن، وكانوا يتلون في الليل دعاءً يُسمّى «ني يَد»، وهو دعاء شكر على النعم.
وكان اليوم التالي لليلة يَلدا (اليوم الأول من شهر جَدي/دي) يُسمّى «خورروز» (يوم الشمس) و«دي غان»، ويُخصص للراحة، ويُعدّ عطلة عامة. وكان الخرّميون يسمّونه «خُرَّم روز» أو «خُرَّه روز». وكان «خورروز» في إيران القديمة يوم مساواة بين الناس؛ ففيه كان الجميع، بمن فيهم الملك، يلبسون ثيابًا بسيطة ليظهروا على قدم المساواة، ولا يحق لأحد أن يأمر غيره، بل تُؤدّى الأعمال طوعًا لا قسرًا[2].
وفي هذا اليوم كان القتال وسفك الدماء ممنوعين، حتى ذبح الغنم والدجاج، وكانت الأعداء أيضًا يعلمون بذلك فيراعونه في جبهات القتال، فتتوقف الحروب مؤقتًا.
وكان الناس يمتنعون عن العمل في هذا اليوم خشية الوقوع في أي عمل سيئ، إذ كان مذهب مهر يعدّ ارتكاب أي ذنب، ولو صغيرًا، في يوم ميلاد الشمس ذنبًا عظيمًا، وكان الإيرانيون ينظرون إلى شجرة السَّرو بوصفها رمزًا للصمود أمام الظلام والبرد، فيقفون أمامها في يوم خورروز، ويتعاهدون على أن يغرسوا شجرة سرو جديدة قبل حلول العام التالي[3].
وجاء في كتاب برهان قاطع في مادة «يلدا»:«يَلدا هي ليلة أول الشتاء وآخر الخريف، وهي أول جَدي وآخر قوس، وهي أطول الليالي في السنة كلها، وفيها أو قريبًا منها تنتقل الشمس إلى برج الجدي، ويُقال: إنها ليلة شديدة الشؤم وسوء الطالع، وقال بعضهم: إن ليلة يَلدا هي الحادي عشر من جَدي».
وكما ذُكر سابقًا، كانت هذه الليلة عند أمم وأقوام وأديان أخرى يومًا للاحتفال والتكريم والاجتماع، وكانت ليلة يَلدا، أو ما يشبهها من أعياد الانقلاب الشتوي، معروفة بين شعوب العالم القديم. ففي روما القديمة، ومع انتشار المسيحية، كانت عبادة سول إنفيكتوس (الشمس التي لا تُقهر)، وهو إله وثني روماني، شائعة جدًا، وكان الرومان يحتفلون بميلاده وقت الانقلاب الشتوي، وكان لسول إنفيكتوس دور مميز أيضًا في الميترائية الرومانية، بل إن ميثراس (المعادِل اليوناني للإله الإيراني القديم ميترا) لُقّب بالشمس التي لا تُقهر.
ويرى الباحثون أن المسيحية الغربية مدينة في بنيتها العامة، التي منحتها الاستمرارية والشكل، للأديان السابقة للمسيحية في روما القديمة، ومنها الميترائية. ويظهر ذلك في تقويم الكنائس وبقاء كثير من طقوس وأعياد ما قبل المسيحية، ولا سيما عيد الميلاد (الكريسماس)، فقد اعتُبر الكريسماس مزيجًا من أعياد ساتورناليا وولادة ميترا في روما القديمة، وفي القرن الرابع الميلادي، ومع الاعتراف الرسمي بالمسيحية وبأمر الإمبراطور قسطنطين، جُعل يومًا رسميًا لميلاد المسيح[4].
وقبل اعتناق المسيحية، ومع انتشار الطقوس السرّانية في أوروبا وأراضي الإمبراطورية الرومانية، كان الرومان يحتفلون سنويًا في 17 ديسمبر بعيد يُسمّى ساتورناليا، تكريمًا لكوكب زحل (ساترن)، إله الزراعة القديم، وكان هذا العيد يستمر سبعة أيام، ويشمل الانقلاب الشتوي. وبسبب اعتماد الرومان على التقويم اليولياني، كان يوم الانقلاب الشتوي يقع تقريبًا في ۲۵ ديسمبر بدلًا من ۲۱ أو ۲۲ ديسمبر.
ويرى فرانتس كومون، عالم الآثار البلجيكي ومؤسس الدراسات الميترائية الحديثة، ومن يشاركه الرأي، أن مفاهيم الميترائية الرومانية مأخوذة بالكامل من الديانة المزديسنية ومن الإله الإيراني ميترا (مهر)، غير أن هذه الفكرة خضعت منذ سبعينيات القرن العشرين لنقد ومراجعة شديدين، وأصبحت اليوم من أكثر القضايا إثارة للجدل في دراسات الأديان في العالمين الروماني واليوناني القديمين.
وليس عيد ميلاد ميترا هو الطقس الوحيد الذي انتقل إلى المسيحية، إذ توجد تشابهات كثيرة بين التقاليد المسيحية والميترائية، فالمسيحيون الذين يحتفلون اليوم بميلاد عيسى عليه السلام ما زالوا يوقدون المدافئ والشموع، ويزيّنون شجرة الميلاد بالأضواء، ويسهرون الليل، ويتناولون أطعمة خاصة، ويتبادلون الزيارات، ويحتفلون بهذه المناسبة مع الأصدقاء والأقارب، على نحو يشبه تمامًا ما كان يفعله الإيرانيون القدماء في ليلة يَلدا، وهكذا فإن الكريسماس ويَلدا ليسا سوى مثالين من أمثلة كثيرة للمعتقدات والعادات والرموز والقصص المشتركة التي تربط بين شعوب وأديان مختلفة[5].
يتبع…
الجزء السابق | الجزء التالي
[1] فرهوشي، بهرام، جهان فروري، ص ۳۳۱، سنة الطبع: ۱۳۹۱هـ ش، الناشر: مؤسسة الطباعة والنشر بجامعة طهران.
[2] أحمدزهي، عبد السلام، ليلة يَلدا في شريعة الله، ص ۳۴، تاريخ النشر: ۱۳۹۶هـ ش، إيران.
[3] أنصاري، بهمن، زرادشت والزرادشتيون، ص ۸۹، تاريخ النشر: ۸ بهمن ۱۳۹۶هـ ش، طهران.
[4] فرهوشي، بهرام، جهان فروري، ص ۳۳۳، سنة الطبع: ۱۳۹۱هـ ش، الناشر: مؤسسة الطباعة والنشر بجامعة طهران.
[5] أحمدزهي، عبد السلام، ليلة يَلدا في شريعة الله، ص ۴۴، تاريخ النشر: ۱۳۹۶هـ ش، إيران.
