في الجزء الثاني من هذه المقالة ذكرنا كيف كانت المجتمعات غير الإسلامية تحرم المرأة من حقوقها الأساسية، وتمارس عليها أشكال الظلم المختلفة، لقد دفعت هذه الردود النساء تدريجياً إلى تشكيل جمعيات ومنظمات للمطالبة بحقوقهن الأساسية. فقد عقدن تجمعات منظمة، ورافقتهن أصوات أدباء مشهورين وبعض السياسيين، حتى انتشرت هذه الحركة في الدول الغربية وانضم إليها عدد كبير من النساء. وهكذا ولدت حركة «النسوية»، يعتقد بعض الباحثين أن ظاهرة «النسوية» ظهرت على ثلاث مراحل زمنية مختلفة، حيث كانت كل مرحلة تجلب معها حياة جديدة للحركة، والآن نقدم لمحة مختصرة عن هذه المراحل الثلاث: المرحلة الأولى
كانت الشرارة الأولى لحركة النسوية في إنجلترا نتيجة لنشر بيان طويل من ۳۰۰ صفحة من تأليف «ماري ولستون كرافت». استمرت هذه المرحلة من عام ۱۸۳۰ حتى ۱۹۲۰. في هذه المرحلة، واجه أنصار حقوق المرأة أولئك الذين كانوا يرون المرأة ليس كإنسان بل ككائن أدنى يجب أن يخدم الجنس الذكري.
أساس هذه المرحلة كان مستمدّاً من «الحقوق الليبرالية الكلاسيكية» التي ركزت على منح النساء حق التصويت وتوسيع حقوقهن المدنية والسياسية والطبيعية.
المرحلة الثانية
امتدت هذه المرحلة من عام ۱۹۶۰ حتى أوائل التسعينيات. كانت هذه المرحلة تطالب بالمساواة، حيث تم إثبات مكانة المرأة في الوجود والمجتمع. كان الهدف الأساسي هو تحقيق حقوق المرأة على قدم المساواة مع الرجل، ومواجهة أي أيديولوجيات ترى عدم المساواة وترفع الرجل فوق المرأة.
المرحلة الثالثة
بدأت هذه المرحلة في أوائل التسعينيات وحتى الآن.
هذه المرحلة تمثل النسوية المتفوقة، التي ترى أن المرحلتين السابقتين كانتا تحاولان فقط مساواة المرأة بالرجل، وهذا يعني ضمناً الاعتراف بتفوق الرجل. من وجهة نظر هذه المرحلة، كان الهدف هو بناء امرأة تشبه الرجل، وهو ما لا يعتبر نسخة حقيقية من النسوية. النسوية الحقيقية تعني استقلال المرأة وتفوقها على الرجل في كل مجالات الحياة، وخاصة في مجالات القوة والسياسة.
تستغل العديد من المدارس السياسية حالة الظلم التي تعاني منها النساء لتحقيق أهدافها الخاصة، والتي في الأصل لا تهدف إلى إعطاء المرأة حقوقها، بل إلى تدمير الدين أولاً عن طريق نزع الحياء والحجاب عن المرأة، ومن ثم زعزعة المجتمع، رغم التجارب السلبية في الدول الغربية.
عداء النسوية للدين
هذه الحركة التي بدأت في القرن التاسع عشر كحركة اجتماعية للمطالبة بحق التصويت، كانت في البداية تركز فقط على حقوق المرأة، ولكن مع مرور الوقت تغيرت أهدافها إلى مهاجمة الدين والإيمان.
اتهموا الدين الإسلامي ظلمًا بأنه سبب معاناة المرأة، وبدأوا يهاجمون الدين ككل، معتبرين أنه مصدر قمع المرأة وخضوعها.
كانت بعض الشخصيات النسوية في الموجة الأولى مثل «سوزان برانل أنتوني» تنتقد الدين التقليدي بشدة، ووصفت الدين بأنه عدو المرأة، وقالت: إنها لا تستطيع أن تتخيل إلهاً يحب أن تجلس على ركبتيها وتدعوه، أيضًا «هيلين غاردنر» كتبت عن الجرائم والظلم الذي مارسته المسيحية ضد المرأة، معتبرة أن الدين يأخذ كل شيء من المرأة ولا يعطيها شيئاً، ومع ذلك يطالبها بالحب والدعم، وهذا تناقض لا يمكن قبوله، وتعدى انتقادها المسيحية إلى الأديان الأخرى، معتبرة أن الدين يجب أن يُختبر بالعقل والمنطق، وأن الأخلاق مهمة أكثر من الإيمان، وأنه لا يمكن قبول أي وحي لا يتوافق مع أعلى أفكار وأهداف الإنسان، حتى بعض النبيين والرسل لم يسلموا من نقدها، حيث قالت: إن معتقداتهم يجب أن تُقارن بأفكارنا العليا، ولا يجب أن يكون لها سلطة علينا إلا إذا كانت عادلة ومنصفة.
في الموجة الثانية، استمر العداء للدين، حيث قالت «سيمون دي بوفوار» إن الرجل لديه إله يدعمه ويعطيه السلطة على المرأة، وأن الأديان مثل اليهودية والمسيحية والإسلام تمنح الرجل السلطة، مما يكبح تمرد المرأة ويجعلها مستعبدة، وقالت «غلوريا ستاينم»: إن الإيمان بالدين مجرد خداع، وإن أكبر مشكلة تعاني منها النساء اليوم هي الدين، وقالت أيضًا «سوزان شو»: إن المؤسسات الدينية التقليدية مثل الكنيسة والمسجد ترسخ النظام الأبوي والسيطرة الذكورية.
أما «ماري دالي»، وهي فيلسوفة نسوية متطرفة، فقد اعتبرت أن الدين بطبيعته قمعي للمرأة، وشبهت طلب المرأة للمساواة في الكنيسة بمطالبات السود في جنوب الولايات المتحدة.
في الموجة الثالثة، أصبح العداء للدين أكثر تنظيمًا، وظهرت محاولات لتقديم «دين بديل» أو «روحانية غير دينية».
دول الغرب، وخاصة أمريكا، التي دعمت النسوية بقوة، عقدت عدة مؤتمرات من ۱۹۵۰ إلى ۲۰۰۰ تهدف إلى:
تشجيع معارضة الدين والقيم الأخلاقية التقليدية والتقليل من أهمية الزواج، والترويج للفوضى الأخلاقية.
الدعوة إلى إلغاء القوانين الدينية واستبدالها بالاتفاقيات الدولية.
تشجيع إلغاء العادات والتقاليد المحلية وتعزيز الثقافة الأوروبية والعولمة.
تقليل مكانة الأب والسلطة الذكورية في الأسرة.
وفي هذه الأيام نشاهد أن الدول المعادية للإسلام تصرخ عبر وسائل إعلامها تجاه الدول الإسلامية مدعية الدفاع عن حقوق المرأة، لكنها في الحقيقة لا تتردد في الإساءة إلى المرأة عندما تصطدم مصالحها.